التاريخ من وراء الستار
حين حاصر نابليون عكا
بقلم / محمد مصطفى كامل
الحملة التي أرادت فتح أبواب الشرق، فاصطدمت بأسوار مدينة غيّرت حسابات القائد الفرنسي
لم يكن نابليون بونابرت رجلًا اعتاد أن تقف المدن في طريقه طويلًا. فمنذ أن وطئت قواته أرض مصر، كان يتعامل مع الشرق باعتباره ساحة واسعة يمكن إعادة رسم خرائطها بقوة السلاح، وبذكاء المناورة، وبالقدرة على استثمار ضعف الخصوم وانقسامهم.
لكن التاريخ لا يمنح انتصاراته لأصحاب الطموح وحدهم؛ ففي بعض اللحظات، تتوقف الجيوش التي اجتاحت مدنًا كبرى أمام مدينة تبدو صغيرة على الخريطة، لكنها تخفي وراء أسوارها من عوامل المقاومة ما لا تستطيع القوة وحدها تجاوزه.
وفي ربيع عام 1799، وقف نابليون أمام عكا، المدينة الساحلية التي تحولت إلى امتحان حقيقي لمشروعه الشرقي. لم يكن يريد اقتحام مدينة فحسب؛ كان يريد فتح الطريق إلى بلاد الشام، وتوسيع نفوذه، وضرب خصومه العثمانيين قبل أن يهددوا وجوده في مصر، وربما الاقتراب من حلم إمبراطورية شرقية طالما راود خياله.
لكنه اكتشف أن الطريق إلى الشرق لا يُفتح دائمًا من البوابة التي يختارها القائد، وأن البحر الذي عبرته طموحاته يمكن أن يتحول إلى حاجز يمنعه من بلوغ غايته.
فكيف تحولت عكا من محطة في طريق نابليون إلى المدينة التي أوقفت تقدمه؟ ومن الذي صنع هذا التحول: أسوارها، أم رجالها، أم الأسطول البريطاني، أم أخطاء القائد الفرنسي نفسه؟
من القاهرة إلى بلاد الشام، حين أصبحت مصر قاعدة لحرب أكبر
بعد احتلال الفرنسيين مصر سنة 1798، لم يكن الصراع قد انتهى، بل دخل مرحلة أكثر تعقيدًا. فقد أدركت الدولة العثمانية أن الحملة الفرنسية تهدد نفوذها في إحدى أهم ولاياتها، وبدأت الاستعدادات العسكرية لمواجهتها، بينما سعت بريطانيا إلى منع فرنسا من تثبيت وجودها في المنطقة.
كان نابليون يعرف أن بقاءه في مصر لا يضمن له الاستقرار. فالأسطول الفرنسي الذي حمل الحملة إلى مصر تعرض للتدمير في معركة أبي قير البحرية في أغسطس 1798، وأصبحت الاتصالات بين الجيش الفرنسي ووطنه أكثر صعوبة. وفي الوقت نفسه، أخذ خطر التحرك العثماني يقترب من مصر برًّا وبحرًا.
لهذا قرر نابليون المبادرة بالهجوم شمالًا، متجهًا إلى بلاد الشام في فبراير 1799، قبل أن تتحول الاستعدادات العثمانية إلى هجوم يهدد وجوده في مصر.
لم تكن الحملة مجرد اندفاع عسكري نحو مدن جديدة؛ فقد أراد نابليون إبعاد الخطر عن مصر، وضرب القوات العثمانية قبل وصولها، وفتح الطريق أمام نفوذ فرنسي أوسع في المنطقة. وكانت عكا، بموقعها الساحلي ومكانتها العسكرية، إحدى العقبات الأساسية أمام هذا المشروع.
تحرك الجيش الفرنسي عبر سيناء، ثم دخل العريش وغزة، وتقدم نحو يافا. وكانت المسافة التي قطعها الجنود عبر أرض قاسية، وما صاحبها من مشكلات الإمداد والمياه والاتصال، تنذر بأن الحملة لن تكون نزهة عسكرية.
ومع ذلك، ظل نابليون يراهن على سرعة التقدم، وعلى أن سقوط المدن المتتابع سيحرم خصومه من الوقت اللازم لتنظيم دفاعاتهم.
لكن المدينة التالية لم تكن يافا أخرى، ولم يكن الطريق إليها مفتوحًا كما أراد.
يافا، النصر الذي كشف الوجه الدموي للحملة
في مارس 1799، اقتحم الفرنسيون يافا بعد قتال عنيف، وسقطت المدينة في أيديهم. غير أن ما أعقب سقوطها ترك صفحة دامية في تاريخ الحملة.
فقد قُتل عدد كبير من الأسرى العثمانيين بعد استسلامهم، في واقعة ارتبطت بأوامر القيادة الفرنسية. وتختلف التقديرات التاريخية في عدد الضحايا، لكن قتل الأسرى يظل من أكثر الوقائع المأساوية التي ارتبطت بتقدم نابليون في بلاد الشام.
لم يكن الأمر مجرد مشهد عابر في حرب طويلة؛ فقد أظهر ما قد يواجهه المدافعون إذا انتهى القتال بسقوط مدينتهم. وكانت أخبار ما حدث في يافا جزءًا من السياق الذي أحاط بمقاومة عكا، وإن كان من الصعب اختزال صمود المدينة في عامل واحد أو الجزم بأن أحداث يافا وحدها هي التي صنعت قرار المدافعين.
ثم ظهرت مشكلة أخرى داخل الجيش الفرنسي. فقد انتشرت الأمراض، واشتدت صعوبات الإمداد، وأصبح على الجنود مواصلة التقدم في بيئة مرهقة، بينما كانت الحملة تعتمد على سرعة الحركة لتحقيق أهدافها.
ومع وصول الفرنسيين إلى عكا، وجدوا مدينة يقود دفاعها حاكم عثماني شديد المراس، وتساندها قوة بحرية بريطانية، ويشارك في تنظيم مقاومتها رجال يمتلكون الخبرة في التحصينات وإدارة الدفاع.
كان نابليون قد انتصر في يافا، لكنه لم يكن قد ضمن النصر في عكا.
أحمد باشا الجزار، الحاكم الذي رفض تسليم المدينة
كانت عكا خاضعة لحكم أحمد باشا الجزار، واليها العثماني المعروف بالشدة والقسوة. وقد ارتبط حكمه بالعنف والبطش، لكن تقييم سياسته الداخلية يختلف عن دراسة دوره العسكري عندما أصبحت المدينة مهددة بالغزو.
أدرك الجزار أن مواجهة جيش نابليون في العراء قد تكون كارثية، وأن الأمل يكمن في الاستفادة من تحصينات المدينة، وإطالة أمد الحصار، ومنع الفرنسيين من تحقيق اختراق سريع.
لم تكن عكا حصنًا يستحيل اقتحامه، لكنها امتلكت موقعًا جغرافيًّا مهمًّا؛ إذ تطل على البحر المتوسط، وتتيح لمدافعيها الاستفادة من الإمدادات البحرية ما دامت الطرق البحرية مفتوحة أمامهم.
وبدأ المدافعون في تقوية التحصينات والاستعداد للهجمات المتوقعة. ولم يكن الجزار وحده في هذه المواجهة؛ فقد أسهم حاييم فارحي، مستشاره وأحد أبرز رجال إدارته، في تنظيم شؤون الدفاع والإدارة داخل المدينة.
وتكمن أهمية فارحي في أنه لم يكن مجرد شخصية حاضرة في بلاط الحاكم، بل كان جزءًا من منظومة إدارة المقاومة في واحدة من أخطر اللحظات التي واجهت عكا. لقد احتاج الدفاع عن المدينة إلى قيادة عسكرية، وإدارة للإمدادات، وتنظيم للرجال، وقدرة على مواصلة المقاومة تحت القصف والحصار.
لكن العامل الذي سيقلب حسابات نابليون لم يكن داخل الأسوار وحدها؛ فقد جاء من البحر، على متن سفن الأسطول البريطاني بقيادة السير سيدني سميث.
أدرك البريطانيون أن إيقاف الفرنسيين في عكا قد يحمي مصالحهم البحرية، ويمنع نابليون من توسيع نفوذه شرقًا. وهكذا التقت مصلحة بريطانيا في مواجهة فرنسا مع حاجة المدينة إلى الدعم، فتحولت عكا إلى نقطة التقاء بين مقاومة محلية وصراع دولي أوسع.
المدافع التي وصلت إلى عكا، لكنها لم تكن في يد نابليون
في الحروب، قد تكون قطعة مدفعية واحدة قادرة على تغيير مصير حصار؛ فكيف إذا كانت المدافع الثقيلة التي أُرسلت لمساعدة الجيش المحاصر هي نفسها التي انتهت إلى يد خصمه؟
كان نابليون يحتاج إلى مدفعية حصار ثقيلة لفتح ثغرات في أسوار عكا. ولهذا أُرسلت مدافع ومعدات من مصر بحرًا، لكن سيدني سميث تمكن من اعتراض شحنة فرنسية تحمل مدافع الحصار، واستولى البريطانيون عليها، ثم استخدموا جانبًا منها في دعم دفاعات المدينة.
كانت المفارقة قاسية: الأسلحة التي انتظرها نابليون لتدمير التحصينات أصبحت جزءًا من القوة التي تواجهه.
ولم يقتصر الدور البريطاني على اعتراض المدافع. فقد أسهمت السفن البريطانية في دعم المدافعين، وقدمت نيرانًا بحرية ومساندة عسكرية، كما شارك بحارتها ومشاتها في تقوية الدفاعات.
وكان من أبرز من أسهموا في هذا الجانب لويس إدموند أنطوان دو فيليبو، الضابط الفرنسي الملكي المعارض للثورة الفرنسية، الذي امتلك خبرة في الهندسة العسكرية والتحصينات. وقد ساعدت خبرته، إلى جانب دور فارحي والقيادة العثمانية، في تحويل الدفاع عن المدينة إلى منظومة قادرة على مواجهة الهجمات المتكررة.
ومع ذلك، لم تنته قصة المدافع عند الشحنة التي استولى عليها البريطانيون. فقد تمكن الفرنسيون لاحقًا من إيصال مدافع حصار أخرى برًّا من جهة يافا، واستخدموها في قصف المدينة وفتح ثغرة في تحصيناتها.
وهنا بدت المفارقة أكثر تعقيدًا: لم يكن نابليون محرومًا من كل وسيلة لاقتحام عكا، لكنه لم يستطع تحويل ما حققه من اختراقات إلى سيطرة على المدينة.
فقد أعد المدافعون خطًا دفاعيًّا داخليًّا خلف أجزاء من التحصينات الخارجية، وأصبح على الجنود الفرنسيين، بعد أن يشقوا طريقهم عبر السور، أن يواجهوا مقاومة جديدة داخل المدينة.
لم تكن عكا إذن تقاتل بأسوارها وحدها؛ كانت تستفيد من البحر، ومن خبرة المهندسين، ومن مدافع تحولت وجهتها، ومن إدارة دفاعية استطاعت استغلال الوقت الذي فرضه الحصار.
وهنا بدأت المشكلة الحقيقية لنابليون: لقد وصل بجيشه إلى المدينة، لكنه لم يتمكن من عزلها عن مصادر الدعم كما كان يأمل.
حصار يتحول إلى استنزاف
بدأ حصار عكا في مارس 1799، وتوالت محاولات الفرنسيين لفتح ثغرات في الأسوار واقتحام المدينة. وكان نابليون يأمل أن يؤدي القصف والهجوم المتكرر إلى إنهاك المدافعين وإجبارهم على الاستسلام.
لكن كل محاولة كانت تستهلك رجالًا وذخيرة ووقتًا، بينما كانت المدينة تستفيد من استمرار المقاومة. ولم يعد السؤال هو ما إذا كان الجيش الفرنسي قادرًا على مهاجمة عكا، بل ما إذا كان قادرًا على تحمل ثمن الحصار حتى النهاية.
استطاع الفرنسيون إحداث أضرار في التحصينات وفتح ثغرات، لكن الثغرة في السور لا تعني بالضرورة سقوط المدينة. فالمدافعون يستطيعون إقامة حواجز داخلية، وتحويل الشوارع والممرات إلى خطوط دفاع جديدة، واستغلال ضيق المكان لإبطاء المهاجمين.
وكانت هذه إحدى أهم مشكلات نابليون: كلما اقترب من تحقيق اختراق، اكتشف أن ما وراء التحصينات الخارجية لم يكن طريقًا مفتوحًا إلى النصر، بل خطًّا دفاعيًّا آخر ينتظره.
وفي الوقت نفسه، كانت الخسائر تتزايد، والأمراض تنتشر في معسكر الجيش، والإمدادات لا تصل بالسهولة المطلوبة. وكلما طال الحصار، ابتعد نابليون عن الصورة التي أرادها لحملته: تقدم سريع، وانتصارات متلاحقة، وخصوم يفقدون القدرة على المقاومة قبل أن تتدخل قوى أخرى.
لقد كانت عكا تفرض عليه حربًا من نوع مختلف؛ حربًا لا يحسمها الاندفاع وحده، ولا تكفي فيها شجاعة الجنود إذا لم تتوافر المدافع والإمدادات والقدرة على مواصلة القتال.
وللمرة الأولى في هذه الحملة، أصبح الوقت نفسه خصمًا لنابليون.
جبل طابور، انتصار لم يفتح أبواب عكا
لم يكن نابليون يواجه أسوار المدينة وحدها. ففي أبريل 1799، تحركت قوة عثمانية في محاولة لتخفيف الضغط عن عكا وتهديد الجيش الفرنسي. وكان على نابليون أن يتعامل مع خطر يأتي من خارج الحصار، بينما لا تزال المدينة صامدة أمامه.
وفي معركة جبل طابور يوم 16 أبريل، تمكنت القوات الفرنسية بقيادة الجنرال كليبر، بمشاركة نابليون في إدارة المعركة، من إلحاق الهزيمة بالقوة العثمانية.
كان ذلك انتصارًا عسكريًّا مهمًّا؛ فقد أبعد خطرًا مباشرًا عن الجيش الفرنسي، وأظهر أن نابليون لا يزال قادرًا على حسم المعارك الميدانية عندما تتوافر له الظروف المناسبة.
لكن هذا الانتصار لم يحقق الغاية الأساسية. فعلى الرغم من هزيمة القوة العثمانية، ظلت عكا صامدة، وظل الحصار قائمًا، وظلت المشكلة التي لم يستطع نابليون حلها كما أراد: كيف يقتحم المدينة قبل أن يستنزف جيشه؟
وهنا تكمن إحدى المفارقات التي كثيرًا ما يخفيها بريق الانتصارات العسكرية. فقد ينتصر القائد في معركة، لكنه يخسر الوقت الذي يحتاج إليه لتحقيق هدفه الأكبر. وقد يهزم جيشًا في الميدان، بينما يظل عاجزًا عن إسقاط الحصن الذي خرجت الحملة من أجل الاستيلاء عليه.
كان جبل طابور انتصارًا للفرنسيين، لكنه لم يكن مفتاح عكا.
حين اخترق الفرنسيون السور، ووجدوا مدينة أخرى خلفه
مع حلول مايو، كانت فرص نابليون في حسم الحصار تتضاءل. فقد أنهكت المعارك الجيش الفرنسي، وأثرت الأمراض في قدرته القتالية، بينما استمر المدافعون في المقاومة، وظل الدعم البحري البريطاني عاملًا يصعب تجاوزه.
وفي أوائل مايو، وصلت المدافع الفرنسية التي نُقلت برًّا، وتمكن الفرنسيون من إحداث ثغرة في التحصينات. وبدا أن المدينة أصبحت أقرب إلى السقوط، وأن الجهد الذي بُذل طوال أسابيع قد يثمر أخيرًا.
لكن المدافعين كانوا قد أعدوا خطًّا دفاعيًّا داخليًّا خلف الثغرة. وعندما اندفع الفرنسيون إلى الأمام، لم يجدوا الطريق مفتوحًا كما توقعوا، بل واجهوا تحصينات جديدة ومقاومة متجددة.
لقد تحولت الثغرة التي كان يفترض أن تكون بوابة النصر إلى ممر نحو معركة أخرى داخل نطاق المدينة.
وتكبد المهاجمون خسائر كبيرة في محاولاتهم اقتحام الدفاعات، ولم يتمكنوا من تحويل اختراق السور إلى سيطرة على عكا. كما وصلت تعزيزات عثمانية بحرًا، فازدادت صعوبة الموقف الفرنسي.
كانت تلك اللحظة كاشفة؛ فقد أثبت المدافعون أن سقوط جزء من التحصينات لا يعني انهيار الدفاع كله، وأن المدينة يمكن أن تواصل القتال حتى بعد اختراق خطوطها الخارجية.
لم تكن المشكلة في شجاعة الجنود الفرنسيين؛ فقد قاتلوا في ظروف شديدة الصعوبة. وإنما كانت المشكلة في أن كل تقدم محدود كان يُشترى بثمن أكبر، وأن الوقت الذي احتاج إليه نابليون لتحقيق النصر لم يعد متاحًا له بلا حدود.
وبعد الهجوم الأخير الكبير في 10 مايو، اتجه نابليون إلى قرار رفع الحصار، وبدأ الفرنسيون الانسحاب خلال الأيام التالية. وبحلول 21 مايو 1799، كان الانسحاب قد مضى في طريق العودة جنوبًا نحو مصر.
لم تسقط عكا، ولم ينجح الجيش الفرنسي في فتح الطريق الذي أراده إلى عمق بلاد الشام. وانتهت الحملة أمام المدينة إلى إخفاق استراتيجي واضح، رغم ما حققته القوات الفرنسية من انتصارات في محطات أخرى.
لم يكن الانسحاب مجرد تراجع عن أسوار مدينة؛ فقد كشف أن المشروع الذي أراد نابليون أن يفرضه على الشرق اصطدم بحدود القوة العسكرية، وبقدرة خصومه على الجمع بين الدفاع البري والمساندة البحرية.
هل هزمت عكا نابليون وحدها؟
من السهل أن نختصر القصة في عبارة جذابة: مدينة صغيرة هزمت أعظم قادة عصرها. لكن التاريخ أكثر تعقيدًا من العبارات التي تصلح للعناوين وحدها.
لم تصمد عكا بسبب عامل واحد. فقد ساعد موقعها الساحلي على استمرار الإمدادات، وأسهمت التحصينات في إبطاء الهجمات، وأدى إصرار المدافعين دورًا حاسمًا، بينما منح الدعم البريطاني المدينة ميزة لم يستطع نابليون تحييدها. كذلك أثرت الأمراض والخسائر وصعوبات التموين في قدرة الفرنسيين على مواصلة الحصار.
وكان لأحمد باشا الجزار دوره في قيادة الدفاع، وأسهم حاييم فارحي في تنظيم شؤونه، بينما قدم سيدني سميث الدعم البحري والعسكري، واستفاد المدافعون من خبرة دو فيليبو الهندسية.
أما نابليون، فقد واجه سلسلة من الحسابات التي لم تتحقق كما أراد: الاعتماد على سرعة التقدم، وصعوبة إيصال مدافع الحصار، وعدم القدرة على عزل عكا عن البحر، ثم الاضطرار إلى مواصلة القتال في منطقة بعيدة عن قواعده الأساسية.
وهذا لا يعني أن نابليون فقد قدرته العسكرية فجأة، بل يعني أن المهارة في إدارة المعارك لا تلغي القيود الجغرافية واللوجستية، ولا تضمن أن يتصرف الخصم وفق الخطة التي رسمها له القائد.
لقد كان نابليون بارعًا في تحويل الحركة السريعة إلى انتصار، لكنه وجد في عكا خصمًا أجبره على التوقف. وحين توقف، بدأت عناصر القوة التي اعتمد عليها تتحول إلى أعباء: المسافة الطويلة، والإمدادات المحدودة، والأمراض، والوقت، والتدخل البحري البريطاني.
لم تكن عكا أقوى من نابليون في كل شيء؛ لكنها نجحت في حرمانه من الشروط التي يحتاج إليها كي ينتصر.
وهذا هو الفارق بين جيش يملك القوة، وجيش يستطيع تحويل القوة إلى نتيجة سياسية وعسكرية.
عكا، المدينة التي أوقفت الطريق ولم تُنهِ الحكاية
عاد نابليون إلى مصر بعد فشل الحصار، لكنه لم يتخلَّ عن محاولة استعادة زمام المبادرة. ففي يوليو 1799، حقق الفرنسيون انتصارًا جديدًا على قوة عثمانية في معركة أبي قير البرية، في مشهد يؤكد أن إخفاق عكا لم يكن نهاية قدرتهم على القتال.
غير أن الصورة الأوسع كانت قد تغيرت. فقد ثبت أن احتلال مصر لا يعني بالضرورة السيطرة على المشرق، وأن التقدم عبر المدن لا يضمن الوصول إلى الغاية السياسية، وأن البحر يمكن أن يحسم مصير حملة برية مهما بلغت قوة الجيش الذي يقودها.
وبعد أسابيع من معركة أبي قير، غادر نابليون مصر سرًّا في أغسطس 1799 عائدًا إلى فرنسا، تاركًا قيادة الحملة للجنرال كليبر. ولم يكن رحيله نتيجة عكا وحدها؛ فقد تداخلت فيه حسابات فرنسا السياسية والعسكرية، وتطورات الحرب الأوروبية، ومأزق الحملة في مصر.
لكن عكا ظلت علامة فاصلة في مشروعه الشرقي. هناك اصطدم الطموح بواقع لم يستطع تجاوزه، وتبيّن أن الطريق إلى إمبراطورية واسعة لا يُفتح بالانتصارات المتتابعة وحدها.
ومن وراء أسوار عكا، تظهر لنا حقيقة تاريخية تتجاوز زمن نابليون: قد يفرض جيش حضوره على أرض ما، لكنه لا يستطيع ضمان النصر في كل مواجهة، ولا تحويل كل احتلال إلى سيطرة دائمة.
فالتاريخ لا يكتبه المنتصرون في ميادين القتال فقط، بل تكتبه أيضًا المدن التي تصمد، والجيوش التي تعرف كيف تستفيد من نقاط قوتها، والأخطاء التي يدفع أصحابها ثمنها حين يعتقدون أن الطريق إلى النصر أصبح مضمونًا.
لقد أراد نابليون أن يجعل عكا بوابة عبوره إلى الشرق، لكنها أصبحت الحد الذي كشف له أن الطريق أضيق من طموحه.
وفي الحلقة القادمة من
«التاريخ من وراء الستار»:
حين عاد نابليون إلى مصر… القائد الذي أخفى رحيله وترك وراءه حملة تتجه إلى مصيرها الأخير
فما الذي دفع نابليون إلى مغادرة مصر سرًّا؟ وكيف ترك جيشًا جاء به ليصنع مجدًا فرنسيًّا في الشرق، بينما كانت الحملة تدخل مرحلة جديدة من الصراع، ستكشف أن رحيل القائد لا يعني انتهاء الحرب، وأن ما بدأ على شواطئ مصر لم يكن قد قال كلمته الأخيرة بعد؟








