نجع البارود.. القرية التي وقفت في وجه نابليون
محمود سعيد برغش
في جنوب مصر، وعلى ضفاف نهر النيل بمحافظة قنا، تقف قرية نجع البارود حاملةً حكاية من الحكايات التي ظلت تتناقلها الأجيال عن يومٍ واجه فيه أبناء الصعيد الحملة الفرنسية عام 1799.
لم تكن القرية يومها تمتلك جيشًا جرارًا ولا أسلحة تضاهي ما كان بحوزة الفرنسيين، لكن المقاومة الشعبية في قنا كانت قد بدأت تشتد مع تقدم الحملة الفرنسية في الصعيد.
وفي 3 مارس 1799، وصل الأسطول الفرنسي إلى منطقة البارود، وكان يتكون من نحو اثنتي عشرة سفينة، بحسب المصادر المصرية التي توثق المعركة. وكانت من بينها سفينة القيادة «إيتاليا»، المرتبطة بنابليون بونابرت وحملته على مصر.
وهنا بدأت واحدة من أشهر حكايات المقاومة الشعبية في تاريخ قنا.
خرج الأهالي لمواجهة الأسطول بما توافر لهم من وسائل بسيطة، وتروي الروايات المحلية أنهم استخدموا العصي والنبابيت والأدوات البدائية، بينما اندفع بعضهم إلى النيل لمهاجمة السفن.
لم يكن الأمر مجرد مواجهة عسكرية تقليدية؛ فقد كان أهل المنطقة يقاتلون دفاعًا عن أرضهم، بينما كان الأسطول الفرنسي مجهزًا بأسلحة حديثة وسفن حربية. وتذكر الرواية الرسمية لمحافظة قنا أن الأهالي تمكنوا من الصعود إلى بعض السفن، وأن قائد سفينة «إيتاليا» أمر بتفجيرها بعد اقتحامها، ما أدى إلى سقوط قتلى من الطرفين.
وتتناقل الروايات التاريخية والشعبية أن المعركة انتهت بخسائر كبيرة للأسطول الفرنسي وغرق عدد من سفنه، وأن أخبار الهزيمة وصلت إلى نابليون بونابرت، الذي كان في تلك الفترة يقود الحملة الفرنسية على مصر.
ومن هنا أصبحت معركة البارود جزءًا أساسيًا من ذاكرة قنا، حتى إن يوم 3 مارس أصبح العيد القومي للمحافظة تخليدًا لذكرى انتصار أهالي البارود على الأسطول الفرنسي.
أما اسم «البارود»، فتروي مصادر محلية أن المنطقة كانت تُعرف باسم آخر، وأن ارتباطها بالمعركة وما جرى فيها من انفجارات وذخائر أدى إلى اشتهارها بهذا الاسم. وهذه الجزئية تحديدًا ترد بصيغ مختلفة في الروايات المنشورة، ولذلك من الأفضل التعامل معها باعتبارها من الموروث التاريخي المحلي لا حقيقة واحدة محسومة.
وهكذا لم تكن قصة نجع البارود مجرد معركة عابرة في صفحات التاريخ؛ بل أصبحت حكاية يتوارثها أبناء المكان عن أجداد واجهوا قوة عسكرية كبرى بما كان في أيديهم.
فقد يملك المحتل السلاح والسفن والمدافع، لكن الأرض حين تتحول إلى قضية في قلوب أهلها، يصبح لكل بيت حكاية، ولكل قرية شاهد، ولكل نهر ذاكرة.
وفي قنا، ظل نهر النيل شاهدًا على يومٍ لم يكن فيه أبناء البارود مجرد متفرجين على مرور الأسطول الفرنسي، بل دخلوا التاريخ من أوسع أبوابه.
نجع البارود… حكاية قرية صغيرة، لكنها حملت في ذاكرتها معركة كبيرة.








