
مقال نقدى بقلم الدكتور /عادل يوسف الناقد الأدبي
هندسة المعنى في القصة الخاطرة والشاعرة وأسسهما الفنية والجمالية ، في المجموعة القصصية “وشوشة الحكايات” للكاتبة “رقية فريد”
الكاتبة “”رقية فريد”” يلقبها جمهورها بـ “الكاتبة الراقية” ، وهو لقب يحمل بين طياته دلالة واضحة على طبيعة حضورها الأدبي والرقي الذي يحيط بكلماتها وأفكارها.وما تتركه من أثر راق على المتلقي.
تعتمد الكاتبة “رقية فريد” في كتابتها على بناء عوالم كاملة من الواقع والخيال ، وتمتلك قدرة على منح الصمت صوتا ، وعلى صياغة المعنى من تفاصيل صغيرة ، يقرأها الجمهور فيجد الحكمة والجمال والمتعة ، وتعلق فى ذاكرته بفضل أسلوبها الراقي.
-هندسة المعنى في المجموعة القصصية وشوشة الحكايات:
المجموعة القصصية ( وشوشة الحكايات) جمعت بين فن القصة القصيرة التقليدية ،وفن القصة الخاطرة ،وفن القصة الشاعرة، في نسيج سردي فريد من نوعه، فالقصة القصيرة تتضمن الأحداث ، والصراع، والحبكة والشخصيات، والخاطرة التي تركز على العواطف والمشاعر حول الحدث ، والقصيدة الشعرية والتي تتضمن صور فنية وموسيقى وعواطف جياشة.
أولا: هندسة المعنى في القصة الخاطرة في المجموعة القصصية وشوشة الحكايات للكاتبة “رقية فريد”.
القصة الخاطرة:
القصة الخاطرة نوع أدبي جديد يجمع بين عناصر القصة القصيرة والخاطرة في وقت واحد، حيث تقدم الكاتبة مشاعرها ، وأفكارها من خلال حدث قصصي موجز ومكثف ممتزجا بالخاطرة التي تهتم بإظهار الحالة النفسية للكاتبة، ونقل الشعور الذي يثيره الحدث ؛ مما يضفي على القصة رونقا وجمالا.
1-الجمع بين الحبكة والعاطفة:
-جمعت الكاتبة بين الجانب العاطفي للخاطرة وبين الحبكة ،والحدث ،والصراع ،والشخصية في نسيج سردي رائع .
ومن أمثلة ذلك قصة ( ليلى والذئب) التي مزجتها بخاطرة براءة اللقاء ، وقصة حادث على الطريق السريع التي مزجتها بخاطرة الحلم والغياب.
2-الإيجاز والتكثيف :
اتسمت القصة الخاطرة في المجموعة القصصية وشوشة الحكايات بقصر حجمها وتقديم الفكرة الأساسية بشكل مكثف وموحي مع استخدام لغة جمالية كما في قصة قهوة سادة .
تقول الكاتبة “رقية فريد”:
” أحيانا لا تكون مرارة القهوة في طعمها ،بل في القلب الذي يعدها، لم يكن ليبكي على كيس سكر سقط في الماء بل على عمر يسكب كل يوم في صمت ، بلا تقدير ، كم في هذه الحياة من مقاهي تشبه قلوب الناس التي خلت من الرحمة.
نلاحظ هنا أن القصة الخاطرة هنا جسدت مشاعر الكاتبة ونقلت الحالة النفسية والفلسفية للكاتبة.
3- استخدام الحدث القصصي كإطار أو قالب لإظهار المشاعر وليس كغاية في حد ذاته :
نجد ذلك في قصة (ليلى والذئب)
تقول الكاتبة ” خرجت ليلى تسير ببراءة الطفولة ، ويملأ عينيها الأمل ، ويغمر قلبها النقاء ، لا تعرف الهم ، ولا الغدر ، ثم تلتقي بذئب يخفي الشر خلف عيونه اللامعة ، ومكره شديد ، يريد أن يرافقها ويفترسها ، لكنه تحرر من عالمه الوحشي ، واكتشف في البراءة والطفوله قوة لا تهزمها المخالب.
4- المزج بين الخيال والواقع:
المزج بين الخيال والواقع أضفى على القصة الخاطرة رونقا إبداعيا خاصا ، ومن أمثلة ذلك قصة ( صدى البحر ) وخاطرة (نداء الأعماق)
تحكي هذه القصةعن جنية صغيرة اسمها ( رابي) وكانت متشوقة لمعرفة ما يجري فوق سطح الماء، وقررت أن تزور عالم البشر، فأحبت بشريا ، رغم أن صورتها الحقيقية نصف إنسانة ونصف سمكة ،
وصعدت فوق الماء ، والتقت بشاب بشري ، ونست التحذير الذي يقول إن أحبت أي بشري فستفقد سحرها للأبد ، لكنها تعلقت بالشاب وأحبها الشاب وفقدت سحرها وتحولت إلى بشر، لكنها فقدت صوتها…”
ثانيا:هندسة المعنى في القصة الشاعرة وأسسها الجمالية في المجموعة القصصية وشوشة الحكايات:
القصة الشاعرة:
تعتبر القصة الشاعرة فنا جديدا قائما بذاته ، له خصائصه الفنية التي تميزه عن غيره من الفنون الأدبية.
و لاحظت وجود القصة الشاعرة في عدة قصص في المجموعة القصصية وشوشة الحكايات .
وقد عمدت الكاتبة إلى استخدام القصة الشاعرة من أجل توظيف الرمز على مستويات متفاوته من الرمز البسيط إلى الرمز الأعمق ؛
مما جعل القصة مصدرا للإدهاش والإذهال ، وتجسيد لجماليات التشكيل الشعري للقصة ، ولإضفاء العاطفة الحادة ، والموسيقى.
وقد ظهر ذلك واضحا
في قصة ( جدار يريد أن ينقض) ، التي استلهمتها الكاتبة من سورة الكهف التي تعطينا العديد من الدروس والعبر
مثل : الصبر والثقة في تدبير الله ، والتفريق بين ما يبدو غريبا ظاهريا ، وما هو خير في الحقيقة ، وتوضح لنا الفرق بين الظاهر والباطن ، وقصة
( دروس الغراب والعجوز)
و(ثمر المعروف )وقصيدة حيلة
( حيلة حكيم). التي ترمز إلى ترمز والخداع ومنها قول “”رقية فريد””:
ملك قد نسج الحُكم الحكيم … تختبئ فطنته بين الغيوم
جاء وزير طامع في نجله ….
قال أجلوها وقلبي لا يلوم
فتبسم الملك الذكي وقال ……بصوت خفي نبرته الحلوم
هات لي فقيرا يصبح ذا غنى…..وغنيا يصبح اليوم القصيم.
كما نجد ذلك في قصيدة
( بحر لا يرحم) التي ترمز إلى الطمع والغدر ، تقول “رقية فريد”:
صنارة من ذهب أهدت لصاحبها باب الغنى وفتحت باب العتب
يا بحر كم خبأت من سر في جوفك الأزرق المغدور باللهب.
وبذلك تتجلى ” وشوشة الحكايات” بوصفها تجربة سردية وجمالية ثرية ، تمزج بين الأجناس الأدبية ، في تناغم واع ، وتؤكد حضور “
“رقية فريد”” كصوت أدبي راق ، قادر على ابتكار أشكال تعبيرية تجمع بين العمق الفني ، والصدق الشعوري ، والجمال اللغوي.
اقول في الختام :
إن أسلوب الكاتبة “رقية فريد” فريد من نوعه ، استطاعت أن تجعلني أعيش مع شخصياتها كأني أعرفهم.
المجموعة القصصية ” وشوشة الحكايات” جعلتني أشعر وأفكر وأتأمل في مغزى كل قصة.
لقد أثرت فينا هذه القصص ، لأنك أبدعت في بناء الشخصيات ورسم الأحداث وكأنها حقيقية نعيشها.
-وفي نهاية المطاف أقول للكاتبة ” رقية فريد” :
أنتٍ ناسجة بارعة في القصص، وقلمك يمتلك نبضا خاصا يسحر القارئ.
تجاوزت كلماتك حدود الحكايات ، لتلامس الروح وتثير الفكر.
أسلوبك رائع يجمع بين الفن الأدبي والعمق الفكري.
بقلم دكتور/ عادل يوسف دكتوراه كلية الألسن ، جامعة عين شمس ، قسم الغة العربية





