أدب وثقافة

حين صار أبو الذهب سيد مصر. بقلم / محمد مصطفى كامل

التاريخ من وراء الستار

التاريخ من وراء الستار

حين صار أبو الذهب سيد مصر

بقلم / محمد مصطفى كامل

الرجل الذي أسقط علي بك الكبير، واعترف بالسيادة العثمانية، ثم خرج إلى الشام ليصنع مجده الأخير

لم يكن موت علي بك الكبير في مايو سنة 1773 نهاية الصراع على حكم مصر، بل كان نهاية مرحلة وبداية أخرى. فقد سقط الرجل الذي حاول أن ينتزع البلاد من دائرة النفوذ العثماني، لكن القوة التي جمعها، والبيوت العسكرية التي اعتمد عليها، لم تختفِ بغيابه. بقيت مصر ساحة تتنازعها الطموحات، وبقي السؤال الذي لم يستطع علي بك حسمه قائمًا: هل يستطيع رجل واحد أن يحكم البلاد، ويضبط الأمراء المماليك، ويواجه الدولة العثمانية، من دون أن يصبح أسيرًا للقوة التي صنعها بيديه؟

كان محمد بك أبو الذهب يعرف الإجابة أكثر من غيره؛ فقد كان أقرب رجال علي بك إليه، وقائدًا اعتمد عليه في حملاته إلى الحجاز والشام. ثم تحول هذا التلميذ إلى خصم، وانقلب ميزان الولاء، وانتهى الأمر بمواجهة الصالحية في أبريل سنة 1773، حيث هُزم علي بك وأُسر، قبل أن يموت في القاهرة في مايو من العام نفسه.

لم يكن أبو الذهب قد انتصر على رجل عادي، بل على الحاكم الذي صنع نفوذه، وفتح أمامه أبواب القيادة، وائتمنه على جيشه ومشروعه الإقليمي. غير أن التاريخ لا يمنح دائمًا مكافأته لمن يخلص لسيده؛ ففي عالم الأمراء المماليك، كانت القوة قادرة على إعادة تعريف الولاء، وكان الحليف الذي يملك الجيش والرجال يستطيع أن يتحول، في لحظة فاصلة، إلى صاحب العرش الفعلي.

وبعد سقوط علي بك، أصبح أبو الذهب أقوى رجل في مصر. لكن الانتصار الذي منحه القاهرة وضعه أمام اختبار أصعب:

هل يواصل طريق سلفه، فيتحدى السلطان العثماني ويخاطر بفتح جبهة جديدة لا يملك ضمان نتائجها؟

أم يعترف بالسيادة العثمانية، ويحتفظ لنفسه بالسلطة الفعلية داخل البلاد؟

اختار طريقًا مختلفًا، ولم يكن هذا الاختيار تخليًا عن الطموح، بل محاولة لإدارته بطريقة أخرى. فبدلًا من أن يرفع راية التمرد على إسطنبول، سعى إلى تثبيت حكمه تحت مظلة الشرعية العثمانية، ثم وجّه أنظاره نحو الشام، حيث ظل ظاهر العمر يحتفظ بنفوذ واسع، ويشكل امتدادًا سياسيًا وعسكريًا للمشروع الذي انهار بسقوط علي بك.

لكن أبا الذهب، الذي عرف كيف ينتصر على أستاذه، لم يمهله القدر طويلًا ليعرف إن كان قد اختار الطريق الأكثر أمانًا، أم أنه دخل مغامرة جديدة ستنتهي قبل أن يبلغ غايتها.

من إسقاط علي بك إلى تثبيت الحكم

لم تكن مصر بعد سقوط علي بك أرضًا هادئة تنتظر حاكمها الجديد. فالوالي العثماني ظل يمثل السلطة الرسمية للسلطان، والأمراء المماليك احتفظوا بقوتهم العسكرية ومواردهم المالية، بينما كانت القاهرة تحتاج إلى إدارة تضمن استمرار الحياة الاقتصادية والإدارية بعيدًا عن صراع لا ينتهي على المناصب والنفوذ.

وكان أبو الذهب يدرك أن السيطرة على العاصمة لا تعني بالضرورة السيطرة الكاملة على البلاد. فالأمير الذي يجمع حوله المماليك يستطيع أن يفرض إرادته ما دام قادرًا على الاحتفاظ بولائهم، لكنه قد يفقد كل شيء إذا تفرقت عنه القوى التي صنعت مجده. وهذا ما حدث لعلي بك؛ فقد بلغ نفوذه ذروته، وامتد مشروعه إلى الحجاز والشام، ثم تهاوى حين تبدلت التحالفات وانقلب عليه أقرب رجاله.

لم يكن من الحكمة، إذن، أن يبدأ أبو الذهب حكمه بإعادة المواجهة نفسها مع الدولة العثمانية. فقد كانت إسطنبول لا تزال صاحبة السيادة الرسمية على مصر، ولم تتخلَّ عن حقها في التدخل في شؤونها، حتى وإن أضعفتها الحروب والصراعات التي شهدتها الإمبراطورية في القرن الثامن عشر.

لذلك أعاد أبو الذهب الاعتراف بالسيادة العثمانية، وسعى إلى تسوية علاقته بالسلطة المركزية بما يحفظ له نفوذه الفعلي. ولم يكن معنى ذلك أن مصر عادت فجأة إلى حكم مباشر كامل من إسطنبول، أو أن الأمراء المماليك فقدوا مواقعهم؛ بل كان ترتيبًا سياسيًا يسمح للسلطان بالاحتفاظ بحق السيادة الرسمي، فيما يواصل أبو الذهب تركيز القوة في يده وداخل بيته العسكري.

وهنا يظهر الفارق بينه وبين علي بك الكبير. لم يكن الفرق أن الأول طموح والثاني أقل طموحًا، بل إن كلًا منهما اختار وسيلة مختلفة لتثبيت سلطته. أراد علي بك توسيع استقلال مصر حتى اصطدم مباشرة بالسلطة العثمانية، بينما رأى أبو الذهب أن الاعتراف بالسيادة الرسمية قد يكون ثمنًا مقبولًا للاحتفاظ بالحكم الفعلي.

ومع ذلك، لم يكن هذا التفاهم ضمانًا دائمًا للاستقرار. فالسلطان يريد أن يستعيد نفوذه كلما سنحت الفرصة، وأبو الذهب يريد أن يحكم مصر من دون أن يتحول الوالي العثماني إلى منافس له. وبين الهدفين ظلت العلاقة قائمة على المصالح المتبادلة، لا على اختفاء أسباب الصراع.

لقد تغيرت لغة السياسة في القاهرة، لكن جوهر المنافسة لم يتغير: من يملك الجيش والمال والقدرة على جمع الأمراء حوله، يستطيع أن يكون الحاكم الفعلي، حتى حين يبقى اسم السلطان حاضرًا في الخطبة والوثائق الرسمية.

الحاكم الذي أراد أن يترك أثرًا في القاهرة

لم يكن أبو الذهب قائدًا عسكريًا يفكر في الحملات وحدها. فقد أدرك أن الحكم يحتاج إلى حضور يتجاوز ميدان القتال؛ حضور يظهر في عمران المدينة، وفي المؤسسات الدينية والاجتماعية، وفي القدرة على تخصيص الموارد لمشروعات تبقى بعد رحيل صاحبها.

وفي سنة 1774، بدأ إنشاء المجمع المعروف باسم جامع أبي الذهب، بالقرب من الجامع الأزهر، في واحدة من أكثر مناطق القاهرة التاريخية حيوية. ولم يكن البناء مسجدًا فحسب، بل ضم مدرسة وتكية، وارتبط بأوقاف شملت أراضي زراعية وعقارات حضرية خُصصت لتغطية نفقاته والإنفاق على العاملين فيه وأنشطته.

وكان الوقف في مصر العثمانية أكثر من وسيلة للإنفاق الخيري؛ فقد أتاح للأمراء والعلماء والتجار إنشاء مؤسسات تستمد مواردها من أصول مخصصة لها، بدلًا من الاعتماد الكامل على العطاءات المتغيرة. ومن خلال هذا النوع من المشروعات، كان الحاكم يعلن مكانته الدينية والاجتماعية، ويترك علامة ملموسة في المدينة التي يحكمها.

وهكذا حمل جامع أبي الذهب دلالة تتجاوز جدرانه ومئذنته. فقد أراد صاحبه أن يظهر في صورة الحاكم القادر على إدارة الدولة، ورعاية المؤسسات الدينية، وتخصيص الموارد لمشروع يبقى اسمه مرتبطًا به. وكان ذلك جانبًا من تقاليد الحكم في القاهرة، حيث امتزجت المكانة السياسية بالرعاية العمرانية والوقف.

لكن المسجد، مهما ارتفع بناؤه، لم يكن قادرًا على حل المعضلة التي حكمت حياة أبي الذهب السياسية. فقد ظل استقرار سلطته مرهونًا بتوازنات الأمراء، وظل نفوذه قائمًا على شبكة من الرجال والمصالح التي لا يمكن ضمان ولائها إلى الأبد.

وفي الوقت نفسه، كانت هناك قضية أخرى تنتظر الحسم خارج مصر. ففي فلسطين، احتفظ ظاهر العمر بنفوذ واسع، واتخذ من عكا مركزًا لحكمه، مستفيدًا من موارده التجارية وتحالفاته المحلية وقدرته على التعامل مع القوى المحيطة به. وكان هذا الرجل حليفًا لعلي بك في حملته السابقة على الشام، ثم تحول إلى خصم للدولة العثمانية التي أرادت استعادة السيطرة على المناطق التي اتسع نفوذه فيها.

ولم يكن وجود ظاهر العمر تفصيلًا بعيدًا عن حسابات القاهرة. فقد كان يمثل بقايا شبكة التحالفات التي ارتبطت بمشروع علي بك، كما أن استمرار نفوذه خارج السيطرة العثمانية أتاح احتمال عودة التنافس الإقليمي من جديد.

وهكذا لم يبقَ أبو الذهب طويلًا في القاهرة. فقد اتجهت أنظاره إلى الشام، حيث تلاقت مصالحه مع مصالح إسطنبول، وبدت الحملة القادمة فرصة لتصفية حساب قديم وإثبات أنه قادر على خدمة أهداف الدولة التي اعترف بسيادتها.

لماذا عاد أبو الذهب إلى الشام؟

لم يكن ظاهر العمر حاكمًا عابرًا ظهر في فلسطين ثم اختفى. فقد بنى خلال سنوات طويلة قاعدة نفوذ واسعة، وجعل من عكا مركزًا سياسيًا وتجاريًا وعسكريًا، واستطاع أن يستفيد من التنافس بين الولاة العثمانيين والقوى المحلية ليحتفظ بهامش كبير من الاستقلال العملي.

وكانت علاقته بعلي بك الكبير قد منحته حليفًا قويًا في مصر، وساعدته على توسيع طموحاته الإقليمية. لكن سقوط علي بك غيّر ميزان القوى. فبدلًا من أن يجد ظاهر العمر في القاهرة حاكمًا مستعدًا لمواصلة التحالف معه ضد إسطنبول، أصبح أمام رجل يسعى إلى تثبيت مكانته من خلال الاعتراف بالسيادة العثمانية والعمل ضمن إطارها الرسمي.

وفي هذا التحول مصلحة للطرفين. فقد أرادت الدولة العثمانية تقليص نفوذ ظاهر العمر واستعادة السيطرة على مناطق خرجت عمليًا عن قبضتها، بينما أراد أبو الذهب أن يثبت للسلطان أنه ليس مجرد أمير استولى على الحكم في مصر، بل قائد يستطيع أن يحقق أهداف الدولة، وأن يستخدم القوة العسكرية المصرية في حملة تتوافق مع مصالحها.

لكن حسابات أبي الذهب لم تقتصر على إرضاء إسطنبول. فقد كان ظاهر العمر حليفًا لعلي بك، واستمرار نفوذه يعني بقاء قوة إقليمية ارتبطت بالمشروع الذي هُزم صاحبه في مصر. ومن ثم، فإن إضعافه كان سيغلق بابًا من أبواب التحالفات التي قد تهدد موقع أبي الذهب مستقبلًا، ويمنح حاكم مصر فرصة لتوسيع نفوذه خارج حدود البلاد.

لم تكن الحملة، إذن، تنفيذًا لأوامر عثمانية فحسب، ولا مغامرة شخصية منفصلة عن سياسة الدولة. لقد التقت فيها رغبة إسطنبول في استعادة نفوذها مع رغبة أبي الذهب في تثبيت سلطته والتخلص من حليف علي بك القديم. وكانت هذه المصالح كافية لتدفع جيش مصر إلى فلسطين مرة أخرى.

وفي سنة 1775، تحركت القوات المصرية بقيادة أبي الذهب، وبدأت حملة استهدفت مناطق نفوذ ظاهر العمر. وكان الطريق إلى عكا يمر بيافا، المدينة الساحلية ذات الأهمية العسكرية والتجارية، التي مثلت نقطة أساسية في شبكة الاتصال بين الساحل الفلسطيني والداخل.

وهناك، عند أسوار يافا، تحولت الحملة من مشروع سياسي واسع إلى حرب قاسية سيدفع سكان المدينة ثمنها.

يافا، حين دفعت المدينة ثمن صراع الأمراء

لم تكن يافا مجرد محطة على الطريق إلى عكا. فموقعها الساحلي جعلها منفذًا مهمًا للتجارة والاتصال، والسيطرة عليها كانت ستضعف قدرة ظاهر العمر على الحركة، وتفتح أمام الجيش المصري الطريق نحو مركز حكمه.

لكن المدينة لم تسقط من دون مقاومة. فقد واجهت القوات المهاجمة حصارًا وقتالًا، وانتهى الاستيلاء عليها في مايو سنة 1775 بأعمال عنف واسعة ومقتل أعداد كبيرة من سكانها. ولم تكن تلك الأحداث تفصيلًا هامشيًا في تاريخ الحملة؛ فقد كشفت أن الصراع بين القوى الإقليمية لم يكن تنافسًا مجردًا بين الأمراء على المناصب والشرعية، بل كان صراعًا تدفع المدن وسكانها ثمنه حين تتحول إلى أهداف عسكرية.

وبسقوط يافا، تعرض نفوذ ظاهر العمر لضربة قاسية. فقد أصبحت عكا مهددة، ووجد حاكم فلسطين نفسه أمام جيش نجح في اختراق دفاعاته والوصول إلى أهم مراكز سلطته. ولم يكن أبو الذهب يتقدم بوصفه قائدًا جاء لتأمين حدود مصر فحسب، بل كان يسعى إلى إنهاء حكم خصم يرى فيه امتدادًا للمشروع الذي أسقطه قبل عامين.

وكان ظاهر العمر قد واجه خصومًا كثيرين في سنوات حكمه، لكنه اعتمد على شبكة من التحالفات والقوة المحلية، وعلى قدرته في الاستفادة من التوازنات العثمانية والإقليمية. أما الآن، فقد جاءه التهديد من جيش مصر، الذي تحرك في إطار تقارب مؤقت بين القاهرة وإسطنبول.

وبعد الاستيلاء على يافا، واصل أبو الذهب تقدمه نحو عكا. وبدا أن حملته تقترب من تحقيق هدفها، وأن ظاهر العمر قد يواجه نهاية نفوذه بعد سنوات طويلة من تحدي الولاة العثمانيين.

غير أن الحروب لا تنتهي دائمًا بانتصار الجيش الأقوى، ولا يضمن التقدم العسكري أن يبلغ القائد غايته. ففي اللحظة التي اقترب فيها أبو الذهب من مركز خصمه، توقفت الحملة على نحو لم يكن في حساباته.

عكا، حين مات المنتصر قبل أن يحسم المعركة

في يونيو سنة 1775، وصلت قوات أبي الذهب إلى عكا، وتمكنت من دخول المدينة. لكن قائد الحملة مرض ومات فجأة في عكا، بعد أن حقق جيشه انتصارات مهمة في فلسطين. وتختلف الروايات في تفسير وفاته، لذلك لا يصح الجزم بسبب محدد من دون دليل قاطع.

كانت النهاية مفاجئة؛ فأبو الذهب لم يمت بعد هزيمة عسكرية أنهت نفوذه، ولم يُقتل في معركة أجبرته على الانسحاب، بل توفي بينما كان في ذروة قوته، وبعد أن وصل جيشه إلى مركز خصمه. لقد اقترب من حسم الصراع مع ظاهر العمر، لكنه لم يعش ليعرف كيف كانت ستنتهي المواجهة لو استمر في قيادة الحملة.

وبموته، فقد الجيش المصري الرجل الذي جمع بين القيادة السياسية والعسكرية. ولم يستمر التقدم نحو تحقيق الغاية النهائية للحملة؛ إذ انسحبت القوات المصرية من فلسطين، وتمكن ظاهر العمر من استعادة عكا والاحتفاظ بنفوذه مدة أخرى.

وهكذا انتهى مشروع أبي الذهب في الشام قبل أن يحسم الصراع. فقد نجح في تثبيت سلطته داخل مصر، وأعاد ترتيب علاقته بالدولة العثمانية، ثم خرج إلى فلسطين ليضعف خصمًا إقليميًا ويغلق صفحة من صفحات الصراع الذي بدأ في عهد علي بك. لكنه مات قبل أن يحول انتصاراته العسكرية إلى واقع سياسي دائم.

ولم تكن خسارة أبي الذهب مجرد فقدان قائد بارز. فقد ترك مصر من دون الرجل الذي استطاع أن يجمع حوله القوة المملوكية، ويوازن بين طموحات الأمراء ومتطلبات العلاقة مع السلطان العثماني. ولم يكن هناك نظام مستقر يضمن انتقال السلطة إلى خليفة قادر على الاحتفاظ بالتوازن نفسه.

لقد أسقط أبو الذهب علي بك، لكنه لم ينجح في بناء ترتيب سياسي يتجاوز شخصه. وما إن غاب حتى عادت المشكلة التي عرفتها مصر مرارًا: كيف يمكن أن تنتقل السلطة من أمير قوي إلى آخر، من دون أن تتحول المنافسة بين البيوت العسكرية إلى صراع مفتوح؟

بعد أبي الذهب، عادت المنافسة إلى القاهرة

حين وصل خبر وفاة أبي الذهب إلى مصر، لم تكن البلاد أمام فراغ كامل في الإدارة، لكنها كانت أمام فراغ في مركز القوة. فقد بقيت المناصب قائمة، وظلت البيوت العسكرية تملك رجالها ومواردها، غير أن الرجل الذي كان قادرًا على فرض التوازن بينها لم يعد موجودًا.

وبرز إسماعيل بك في منصب شيخ البلد، وهو منصب يمنح صاحبه مكانة مهمة في إدارة شؤون القاهرة، لكنه لم يكن كافيًا وحده لإنهاء المنافسة بين الأمراء. فقد كان إبراهيم بك ومراد بك يملكان طموحًا ونفوذًا داخل الشبكة العسكرية المملوكية، وبدأت موازين القوة تتشكل من جديد، وفق تحالفات لم تكن ثابتة ولا مضمونة.

لم يكن صعود الرجلين نتيجة قرار واحد اتخذه أحدهما، بل جاء في سياق أوسع من التنافس بين البيوت العسكرية، ومحاولة كل أمير تأمين رجاله وموارده وموقعه في السلطة. وكانت المناصب والالتزامات المالية والقدرة على جمع المماليك حول قائد بعينه عناصر تحدد من يستطيع أن يتقدم ومن يضطر إلى التراجع.

وهنا عادت المعضلة التي رافقت صعود علي بك ثم أبي الذهب. فالحاكم يستطيع أن يجمع القوة في يده، لكنه إذا لم يستطع إنشاء توازن يتجاوز شخصه، فإن غيابه يعيد فتح باب المنافسة. وقد أظهر سقوط علي بك أن أقرب الرجال قد يتحول إلى خصم، كما أظهرت وفاة أبي الذهب أن الانتصار على الخصم لا يكفي لضمان استمرار الحكم.

أما السلطان العثماني، فقد بقي حاضرًا في الخلفية. لم تكن السيادة الرسمية قد اختفت، لكن استعادة السيطرة الفعلية على مصر ظلت مسألة مرتبطة بقدرة إسطنبول على استغلال الانقسامات الداخلية، وبقدرة الأمراء المماليك على منع بعضهم بعضًا من احتكار السلطة.

ومن هنا لم يعد السؤال في القاهرة هو ما إذا كان المماليك سيبقون أصحاب نفوذ؛ فقد ظلت قوتهم العسكرية والمالية حاضرة. بل أصبح السؤال: أي بيت عسكري سيتمكن من جمع الأمراء تحت رايته؟ وهل يستطيع الحاكم الجديد أن يفرض سلطته من دون أن يحول حلفاءه إلى خصوم ينتظرون الفرصة للانقضاض عليه؟

كانت الإجابة ستتشكل عبر سنوات من التحالفات والصراعات، حتى برز إبراهيم بك ومراد بك في قلب المشهد، وبدأ فصل جديد من تاريخ مصر العثمانية، فصل سيكشف أن تقاسم السلطة قد يكون وسيلة لتجنب الصدام، لكنه قد يتحول أيضًا إلى أصل صراع جديد.

ومن وراء الستار…

لم يكن محمد بك أبو الذهب مجرد رجل أسقط علي بك الكبير ثم جلس مكانه. لقد أدرك أن مواجهة الدولة العثمانية بصورة مباشرة قد تفتح عليه جبهات يصعب الاحتفاظ بها، فاختار الاعتراف بسيادتها الرسمية، مع الاحتفاظ بنفوذه الفعلي داخل مصر. وبذلك واصل جانبًا من مشروع تركيز السلطة الذي بدأ في عهد علي بك، وإن اختلفت الوسيلة التي استخدمها.

لكن القوة التي صنعت مجده لم تكن كافية لضمان بقاء حكمه بعد رحيله. فقد خرج إلى الشام، واستولى جيشه على يافا ووصل إلى عكا، ثم مات قبل أن يحسم صراعه مع ظاهر العمر. ومع غيابه، عاد التنافس بين الأمراء إلى الواجهة، لأن ميزان الحكم ظل يعتمد على قوة الأشخاص وتحالفاتهم أكثر مما يعتمد على نظام قادر على ضمان انتقال مستقر للسلطة.

وهذه هي المفارقة التي تجمع بين علي بك وأبي الذهب: الأول تحدى السلطان العثماني ثم سقط بعد أن فقد ولاء أقرب رجاله، والثاني اعترف بالسيادة العثمانية وسعى إلى توسيع نفوذه تحت مظلتها، لكنه مات قبل أن يترك ترتيبًا سياسيًا يتجاوز شخصه.

لقد تغيّرت الأسماء، وتبدلت التحالفات، لكن السؤال بقي كما هو: من يستطيع أن يحكم مصر من دون أن تصبح القوة التي يعتمد عليها سببًا في سقوطه؟

وبعد موت أبي الذهب، لم تعد القاهرة تنتظر قائدًا ينتصر في معركة واحدة، بل أميرًا يستطيع أن يحافظ على توازن هش بين الأمراء، والسلطة العثمانية، ومصالح البيوت العسكرية المتنافسة.

فهل يستطيع إبراهيم بك ومراد بك أن يتقاسما السلطة ويحافظا على توازنها، أم أن الشراكة بينهما ستتحول إلى صراع جديد، يفتح الباب أمام تدخل عثماني أوسع، ويقود مصر إلى مرحلة أشد اضطرابًا؟

زر الذهاب إلى الأعلى