الفصل الثالث من رواية ( ميراث الخطيئة )
عودة الغائب
لم تكن عودة الدكتور حازم إلى القرية عودة رجل جاء لزيارة أهله ثم سيرحل بعد أيام
كان في داخله شيء يشبه المحاكمة المؤجلة
كل شارع مر به أعاد إليه ذكرى وكل وجه صادفه ذكره بأنه لم يغادر المكان وحده بل ترك وراءه أشياء لم يمتلك الشجاعة لمواجهتها
بعد انتهاء الجنازة ذهب إلى بيت أمه
استقبلته بفرح ممزوج بالعتاب ثم راحت تسأله عن عمله وحياته ولماذا لم يتزوج حتى الآن
أجابها باقتضاب
كل حاجة بتيجي في وقتها يا أمي
قالت وهي تضع أمامه كوب الشاي
فيه حاجات لو اتأخرت بتضيع من إيد صاحبها
رفع عينيه إليها
تقصدّي إيه
ترددت ثم قالت
شفت ليلى
لم يجب
كانت أمه تعرف أنه رآها لأن الخبر وصل إليها قبل وصوله إلى البيت
قالت
البنت اتبهدلت يا حازم
أغمض عينيه للحظة
وأنا كمان اتبهدلت يا أمي
لكنها لم تقبل دفاعه
إنت سافرت وسيبتها تواجه الناس لوحدها
أنا ما كنتش أعرف إنها حامل
سقطت الملعقة من يد أمه
حامل
فتح عينيه وحدق فيها
إنتِ كنتِ تعرفي
خفضت رأسها
عرفت بعد سفرك بفترة
نهض من مقعده
وسبتيها لوحدها كل السنين دي
أنا حاولت أساعدها
ساعدتيها إزاي وإنتِ مخبية عني إن عندي ابن
لم تستطع أمه الرد
خرج حازم من البيت دون أن ينتظر تفسيرا آخر
كان يشعر أن السنوات التي قضاها بعيدا لم تكن زمنا مر وانتهى بل كانت مساحة واسعة من الجبن استطاع أن يختبئ فيها خلف العمل والنجاح والانشغال
عاد إلى المكان الذي رآها فيه في اليوم السابق
وجدها أمام بيت صغير في آخر الشارع تحمل سلة ملابس وتنشر الغسيل
حين رأته وضعت السلة على الأرض
قالت ببرود
إيه اللي جابك هنا
عايز أتكلم معاكي
مفيش كلام بينا
ليلى أنا عرفت
عرفت إيه
إن عندي ابن
ضحكت ضحكة قصيرة موجعة
ابنك
أيوه ابنك
ولما كان بيتولد كنت فين ولما كان بيعيط بالليل كنت فين ولما كنت بشتغل طول النهار علشان أجيب له الدواء كنت فين
لم يجد إجابة
اقترب خطوة
أنا ما كنتش أعرف
كان لازم تعرف يا حازم لكنك اخترت إنك ما تسألش
قال بصوت مكسور
ممكن أشوفه
نظرت إليه طويلا ثم أشارت إلى داخل البيت
اسمه آدم وعنده عشر سنين وبيفتكر إن أبوه مات قبل ما يشوفه
دخل حازم ببطء
كان الطفل يجلس على الأرض يكتب واجبه المدرسي وحين رفع رأسه نظر إلى الرجل الغريب بفضول
قالت ليلى
ده الدكتور حازم
مد حازم يده نحوه
إزيك يا آدم
صافحه الطفل ثم عاد إلى دفتره
حضرتك تعرف بابا
شعر حازم بأن السؤال اخترق صدره
قال بعد صمت
أيوه يا حبيبي كنت أعرفه
ابتسم آدم
ماما بتقول إنه كان راجل طيب
التفت حازم إلى ليلى
فأشاحت بوجهها كي لا يراهما أحد وهما تبكيان
في المساء ذهب حازم إلى مكتب السجل المدني يبحث عن أي مستندات تتعلق بوفاة سالم البدري الذي ظهر اسمه في ورقة عبد الستار
لكن الموظف أخبره أن ملف الرجل نُقل إلى الأرشيف القديم بعد سنوات من انقطاع أخباره
وحين سأله عن مكانه قال الموظف
لو عايز تعرف الحكاية اسأل الأستاذ جلال هو كان حاضر وقت القضية
خرج حازم من المكتب وهو يشعر بأن خيوطا متباعدة بدأت تقترب من بعضها
فإذا كان سالم البدري هو الرجل الذي تسبب الماضي في سقوطه وإذا كان عبد الستار قد كتب اسمه في آخر رسالة تركها لابنه فلا بد أن هناك رابطا بين قضيته وبين الأرض التي يسعى فؤاد الشربيني إلى شرائها
وفي مكان آخر من القرية كان فؤاد يتلقى اتصالا من أحد رجاله
الدكتور حازم رجع يا بيه
صمت فؤاد للحظات
ثم قال
خليك بعيد عنه دلوقتي
ليه يا بيه
لأن فيه ناس لما بترجع بتجيب معاها مصايب كانت مدفونة من زمان
أغلق الهاتف ونظر إلى صورة قديمة فوق مكتبه
كان فيها شابان يقفان أمام مخزن كبير
أحدهما فؤاد الشربيني
والآخر سالم البدري
لكن خلف الصورة كانت هناك بقعة داكنة لم يستطع أحد أن يزيلها
بقعة تذكر فؤاد دائما بأن بعض الجرائم لا تحتاج إلى شاهد كي تظل حية أنتظركم فى الفصل الرابع.








