ميار التي هزمت الضجيج بالكتاب…
حين علمتنا طفلة مصرية أن العقول تصنع الأوطان!
من برج البرلس إلى عرش القراءة العربي… طفلة مصرية في الحادية عشرة من عمرها تضع الكبار أمام سؤال محرج: هل نربي أبناءنا ليحصدوا الدرجات، أم ليصنعوا المستقبل؟
بقلم: د. ندا محمود حماد
في زمن أصبحت فيه الشهرة أحيانا أسرع من المعرفة، والمشاهدات أكثر إغراء من صفحات الكتب، خرجت طفلة مصرية صغيرة لتقدم لنا درسا كبيرا، دون أن ترفع صوتها أو تبحث عن الأضواء.
لم تحمل هاتفا لتصنع به ضجة، ولم تقدم محتوى مثيرا لتتصدر المشهد، بل حملت كتابا، وفتحت عقلها، ومضت في طريق ربما لا يلتفت إليه كثيرون.
حتى جاء اليوم الذي التفت فيه العالم العربي إليها.
اسمها ميار محمد رجب عثمان، طفلة مصرية تبلغ من العمر ١١ عاما، من مدينة برج البرلس بمحافظة كفر الشيخ، استطاعت أن تحصد المركز الأول ولقب بطلة تحدي القراءة العربي في موسمه العاشر لعام ٢٠٢٦، خلال الحفل الختامي الذي أقيم في دبي يوم ٢٩ أكتوبر.
إنجاز جاء في دورة شارك فيها أكثر من ٤٠ مليون طالب وطالبة من ٦٠ دولة.
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه ليس: كيف فازت ميار؟
بل: كيف استطاعت طفلة صغيرة أن تذكر مجتمعا بأكمله بقيمة كدنا ننساها؟
حين يصبح الكتاب طريقا لاكتشاف الذات
من منظور علم النفس التربوي، لا تقتصر أهمية القراءة على زيادة الحصيلة اللغوية أو اكتساب المعلومات، بل تمتد إلى تنمية مهارات التفكير والفهم والتحليل، وتوسيع قدرة الطفل على إدراك وجهات النظر المختلفة.
فالطفل الذي يقرأ لا يتعرف إلى العالم الخارجي فحسب، وإنما تتاح له فرصة أعمق للتعرف إلى عالمه الداخلي أيضا.
يتعلم أن هناك أكثر من تفسير للموقف الواحد، وأن السؤال قد يكون أهم من الإجابة الجاهزة، وأن اختلاف الأفكار لا يعني بالضرورة وجود عداوة بين أصحابها.
والقراءة، عندما تقترن بالحوار والتأمل، يمكن أن تصبح وسيلة لتنمية الوعي بالذات وبالآخرين.
وهنا تكمن القيمة النفسية الأعمق لما حققته ميار.
فهي لم تقدم نموذجا لطفلة تحفظ المعلومات فقط، بل قدمت صورة مشرفة لطفلة استطاعت توظيف شغفها باللغة والمعرفة في التعبير والمنافسة وتحقيق إنجاز كبير.
والأجمل أن موهبتها لم تبدأ من منصة التتويج؛ فقد سبقت لها المشاركة والتميز في الإلقاء الشعري، وحصلت على المركز الأول على مستوى الجمهورية في مسابقة الإلقاء الفردي.
وكأن الكلمات التي أحبتها منحتها مع الوقت مساحة أوسع لتكتشف صوتها وقدراتها.
وراء كل طفل موهوب… بيئة تسمح لموهبته أن تتنفس
هناك حقيقة تربوية كثيرا ما نغفل عنها:
ليس كل طفل موهوب يجد من يكتشف موهبته، وليس كل طفل يملك القدرة يجد البيئة التي تساعده على استخدامها.
قد يجلس في أحد فصولنا الدراسية طفل لديه عقل استثنائي، لكننا لا نراه لأن درجاته في مادة معينة ليست مرتفعة.
وقد توجد طفلة تمتلك خيالا واسعا وقدرة مذهلة على التعبير، لكننا ننشغل بمقارنتها بإخوتها أو زميلاتها حتى تفقد ثقتها فيما تتميز به.
وهنا يبرز أحد أهم الدروس التي تقدمها تجربة ميار.
فقد أشارت التغطيات الصحفية إلى دور تشجيع أسرتها ومعلمتها في رحلتها مع القراءة.
وهذا ينسجم مع ما نعرفه تربويا عن أهمية الدعم النفسي والتشجيع وإتاحة الفرص في تنمية دافعية الأطفال للتعلم.
فالطفل لا يحتاج دائما إلى من يدفعه نحو القمة بقدر ما يحتاج إلى من يساعده على اكتشاف الطريق الذي يستطيع أن ينمو فيه.
ولذلك أوجه سؤالا إلى كل أب وأم:
هل نعرف فعلا ما الذي يحبه أبناؤنا؟ أم أننا نعرف فقط الدرجات التي حصلوا عليها؟
وهل نمنحهم الفرصة ليكونوا أنفسهم، أم نصر على أن يصبحوا نسخا من أحلامنا التي لم تتحقق؟
ميار في مواجهة ثقافة الشهرة السريعة
لعل أكثر ما يستحق التأمل في هذا الإنجاز هو توقيته.
نحن نعيش عصرا تتنافس فيه المنصات الرقمية على انتباه الإنسان، وأصبحت فيه المقاطع القصيرة جزءا من الحياة اليومية للأطفال والكبار.
وليس من الإنصاف أن نعتبر التكنولوجيا عدوا للمعرفة، فهي نفسها قد تكون بابا واسعا للتعلم والقراءة والإبداع.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاستهلاك السريع للمحتوى بديلا دائما عن التفكير المتأني، وعندما نكافئ الظهور أكثر مما نكافئ الإنجاز.
هنا تأتي ميار لتطرح علينا سؤالا مجتمعيا مهما:
لماذا نمنح بعض المشاهير مساحات هائلة من الاهتمام، بينما قد تمر إنجازات أطفالنا العلمية والثقافية دون الاحتفاء الذي تستحقه؟
إن المجتمع لا يعلم أبناءه بالقواعد التي يرددها فقط، بل يعلمهم أيضا من خلال النماذج التي يسلط عليها الضوء.
فعندما نحتفي بالمعرفة، فإننا نرسل رسالة غير مباشرة إلى أطفالنا بأن الاجتهاد يستحق التقدير.
وعندما تصبح الموهبة الفكرية مصدر فخر، فإننا نفتح أمامهم نموذجا آخر للنجاح، لا يعتمد على المظهر أو عدد المتابعين.
ميار لم تنتصر على التكنولوجيا، بل انتصرت لفكرة أن العقل ما زال يستحق أن يكون في مقدمة المشهد.
انتبهوا… لا تحولوا ميار إلى عبء على بقية الأطفال!
وهنا أريد التوقف عند نقطة نفسية بالغة الأهمية.
من الطبيعي أن نفرح بميار، وأن نقدم تجربتها نموذجا ملهما لأبنائنا.
لكن من الخطأ أن نستخدم نجاحها سلاحا للمقارنة.
فلا نقول لطفل: انظر إلى ميار، لماذا لا تصبح مثلها؟
ولا نحول إنجازها إلى معيار نحاكم به قدرات جميع الأطفال.
فالأطفال يختلفون في استعداداتهم واهتماماتهم وظروفهم وفرصهم، والمقارنات المستمرة قد تؤدي إلى الإحباط أو الشعور بعدم الكفاية، بدلا من إثارة الحماس.
ليس المطلوب أن يصبح كل طفل بطلا في القراءة.
المطلوب أن نساعد كل طفل على اكتشاف موهبته، وأن نتيح له فرصة حقيقية لتنميتها.
فقد نجد طفلا مبدعا في العلوم، وآخر في الرسم، وثالثا في الرياضة، ورابعا في الكتابة أو الموسيقى أو الابتكار.
نجاح ميار لا ينبغي أن يجعلنا نطالب كل الأطفال بأن يكونوا ميار، بل أن نسأل أنفسنا: كم ميار أخرى لم نكتشفها بعد؟
وماذا بعد التتويج؟
حصلت ميار على جائزة المركز الأول البالغة ٥٠٠ ألف درهم إماراتي، وهو تقدير كبير لإنجازها.
لكن القيمة الحقيقية لا تختصرها الجائزة المالية، ولا لحظة الوقوف على المسرح.
القيمة الأعمق هي أن يستمر شغف هذه الطفلة بالقراءة بعد انتهاء التصفيق.
وهنا تظهر مسؤولية الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية.
فالأطفال المتميزون يحتاجون إلى الرعاية النفسية والتربوية، وإلى مساحة آمنة تسمح لهم بالخطأ والتجربة واللعب والاستمتاع بطفولتهم.
لا ينبغي أن يصبح الطفل أسيرا لإنجازه الأول، أو يشعر بأن محبة الناس وتقديرهم مشروطان باستمرار تفوقه.
فمن أهم ما يمكن أن نقدمه لميار وأمثالها أن نحتفي بإنجازاتهم دون أن نحملهم عبء الحفاظ على صورة الطفل الذي لا يخطئ ولا يتراجع.
نريد لميار أن تكبر وهي تحب القراءة، لا وهي تخشى أن تخسر لقب البطلة.
رسالة إلى الأسرة والمدرسة والإعلام
إذا أردنا أن يتحول إنجاز ميار من خبر جميل إلى أثر مجتمعي، فعلينا ألا نكتفي بالتصفيق.
نحتاج إلى مكتبات مدرسية حية، لا غرف مغلقة تحمل اسم مكتبة.
نحتاج إلى معلمين يفتحون باب الأسئلة، لا يكتفون بمطالبة التلاميذ بحفظ الإجابات.
نحتاج إلى أسر تمنح القراءة مكانا في حياتها اليومية، دون أن تحولها إلى عقوبة أو واجب ثقيل.
ونحتاج إلى إعلام يمنح أصحاب الإنجازات الثقافية والعلمية ما يستحقونه من اهتمام، مثلما يمنح المشاهير مساحات واسعة من الظهور.
والأهم أن نعيد النظر في مفهوم التفوق نفسه.
فالتفوق ليس رقما في شهادة، ولا لقبا في مسابقة، وإنما رحلة مستمرة من التعلم والنمو واكتشاف الإمكانات.
أخيرا… شكرا ميار، لأنك أعدت ترتيب أولوياتنا
عزيزتي ميار …
ربما لا تدركين الآن حجم الرسالة التي حملها فوزك.
لقد أسعدت مصر، ورفعت اسم بلدك، وأثبتت أن طفلة صغيرة تستطيع أن تقف وسط ملايين المشاركين وتحقق إنجازا كبيرا بالعلم والاجتهاد.
لكن ما يهمني أكثر، من موقعي المهني والإنساني، أنك قدمت نموذجا يستحق أن نتأمله، لا أن نصفق له ثم ننساه.
أرجو أن تظلي محبة للكتاب، شغوفة بالمعرفة، وأن تتذكري دائما أن قيمتك أكبر من أي لقب، وأن مستقبلك أوسع من أي منصة تتويج.
وأرجو أن نفهم نحن الكبار الرسالة.
فربما لا تحتاج أوطاننا إلى مزيد من الأطفال الذين يحفظون الإجابات النموذجية، بقدر حاجتها إلى أطفال يمتلكون شجاعة السؤال، ومتعة الاكتشاف، والقدرة على التفكير.
لقد فازت ميار بتحدي القراءة العربي… فهل نستطيع نحن الكبار أن نفوز بتحدي بناء جيل قارئ وواع ومفكر؟
هذا هو التحدي الحقيقي.
وهذه هي الجائزة التي لا تقدر بثمن.
عزيزتي ميار…
من قلبي قبل أناملي، أسطر لك يا ابنتي كلماتي، لا لأهنئك على لقب حصدته فحسب، بل لأشكرك على رسالة عظيمة قدمتها لنا دون أن تدري.
لقد رفعت اسم مصر عاليا، لكنك فعلت ما هو أبعد من ذلك… أعدت إلينا الإيمان بأن بين أبنائنا عقولا تستحق أن نكتشفها، ومواهب تنتظر أن نمنحها الفرصة، وأحلاما صغيرة قد تصنع مستقبلا كبيرا.
يا ابنتي، أرجو أن تظلي عاشقة للمعرفة، وأن يبقى الكتاب صديقا لك، لا مجرد طريق إلى جائزة، وأن تتذكري دائما أن قيمتك ليست في لقب حصلت عليه، ولا في مركز وصلت إليه، بل في عقلك الذي ينمو، وروحك التي تتعلم، وإنسانيتك التي تزداد نضجا مع كل تجربة.
افرحي بنجاحك، وعيشي طفولتك، واحلمي كما تشائين، ولا تسمحي يوما أن يتحول حبك للقراءة إلى خوف من فقدان التفوق.
أما نحن الكبار، فقد تركت لنا ميار سؤالا يستحق أن نعيد التفكير فيه:
لقد استطاعت طفلة مصرية أن تفوز بتحدي القراءة العربي… فهل نستطيع نحن أن نفوز بتحدي اكتشاف مواهب أطفالنا ورعايتها، بدلا من مقارنتهم بغيرهم؟
شكرا يا ميار… لأنك لم ترفعي اسم مصر فحسب، بل رفعت قيمة العقل في زمن أصبح فيه الضجيج أعلى من صوت المعرفة.
فالأوطان لا يبنيها من يحسنون الظهور وحدهم، بل من يحسنون التفكير، ويملكون شجاعة الحلم، وإرادة تحويله إلى حقيقة.
بقلم : د. ندا محمود حماد
استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري والزواجي
لايف كوتش معتمد – كاتبة
صاحبة ومؤسسة مبادرة «نرى»
مؤسسة فريق شيفرة شفاء – DNAH TEAM









