الغَابَةُ.
بقلم / عادل إسماعيل
في تلك الأحراجِ الخَضراء المَطِيرةِ، حَيث مُوَاجَهة المَخَاطر تكونُ طَبِيعَة الحَيَاة اليَومِيَّة، تَتَحَسَّسُ النَّمِرةُ الأمُّ ” تالا ” طَريقَهَا متخفِّيةً بَين أغصَانِ العُشبِ الأَخضَرِ النَّديّ، بَينَمَا تكادُ بطنها تُلامِسُ الأرضَ في مشيتها الأشبَه بالزَّحفِ .
في هدوءٍ، تخفضُ رأسَها مَا استطَاعَت؛حَتَّى لا تلفتُ انتبَاه فرائسها اليقظة للمخاطرِ المحدقةِ بها، فتفرُّق بل أن تصبحَ وجبةً شَهيَّة، تقدمها لشبلها الجائعة ” ميا “.
ذلك ما انطلق به صَوتُ المتحدِّثِ عَبر التِّلفَازِ، مُعلِّقًا على إحدى مشاهد برنامج ” حياة الغابة ” ،فكان صوته يغلبُ أحيَانًا على أصواتِ قطراتِ المطرِ المتساقطةِ في تناغمٍ خارج النوافذ المغلقة بإحكامٍ في وجهِ الهواءِ الباردِ، الذي كان يعبِّرُ عَن غضبه بصفيرٍ مسموعٍ، يتداخلُ مع اهتزازاتِ فروع الأشجارِ، وخشخشات أوراقها المبللة، فيبدو كموسيقى تصويرية مؤثرة تعزفها الطبيعيةُ بإتقانٍ، لتزيدَ من شغفِ ” ساندي ” وأختها الصغرى ” سيرين ” حَيث جَلسَتا بشغفٍ طفولي، لمتابعةِ البرنامج الشيِّق !
ارتفع رنينُ الهاتفِ مقاطعًا لصوتِ معلق البرنامج، ومهدِّدً المتعة ” ساندي ” و ” سيرين ” ، إلا أنهما لم يلتفتا نحوه، بقى إنصاتهما مع صوت معلق البرنامج، الذي يتداخل مع صوت الأحداث المتنامية خلفهما .
لحظات قصيرة، تبعتها أصواتُ خطوات لأقدام الأم المسرعة، قادمة من المطبخ في اضطرَابٍ واضحٍ نحو الهاتفِ، تمدُّيدها في عَصَبية بَادية لترفعَ سماعة الهاتف كقائدٍ عسكريٍّ اتَّخذ قَرارَه ببدء إشَارة إطلاقِ الرصَاص :
– كنت أنتظر مكالمتك بفارغِ الصبرِ يا ” وفاء ” ،هل تحدثت مع أمنا في الموضوعِ الذي أخبرتك به؟ هل أجابتك بالقبول؟ هل أعطتكم وعدًا للتنفيذ؟
– مهلا يا ” غادة ” ،الأمر ليس بتلك السهولة وهذه السرعة التي تريدين دائما؟
– ولماذا لا يكون الأمر سهلا سريعا؟! كنت أعرف أنك لن تنهي الموضوع .
” انقضت ” تالا ” على غزالة صغيرة، ربما لا تكفيهما معًا، لذا تناولت قطعة واحدة صغيرة من اللحم، ثم انزوت في ركن تتناولها ببطء، وهي تنظر بعينيي الرضا نحو ” ميا ” التي كانت منشغلة بتناول وجبتها، دون أن يعنيها الأمر !”
– اسمعي يا ” وفاء ” أنا لن أصبر طويلا، تعلمين أن زوجي ” شوكت ” يخطط لشراء هذه الصفقة منذ فترة، وقد يتوقف نجاح شركتنا عليها، مما سيؤمن مستقبل ” ساندي ” وسيرين ” !.
“يلف الصقيعُ أشجار الغابة،تتوالى الفصولُ في عجل، سنوات متعاقبة تمضي، كبرت ” ميا ” وصارت نمرة فتية، بينما تركت نفس السنوات أثرها على ” تالا ” في ملامح ضعف صارت ترسمُ وجهَها الجديد !”
– تعلمين يا ” غادة ” أن قطعة الأرض هذه غالية على قلب أمي، منذ أن اشتراها أبي – رحمه الله – وأهداها لها فرحًا بمولدك، لذا فمن الصعب إقناعها بفكرة بيعها هكذا في يوم أويومين !
– لا يهمني أن تقتنع، أنا أريد المبلغ في أسرع وقت، ليتمكن “ شوكت “ من إنهاء الصفقة !
– لا تقلقي يا “ غادة “ سأكلمها اليوم مجددًا، ولكن اهدئي، تعلمين أنها تحبك خَاصة فوق حبها للجميع، أنسيت يوم باعت كل مصاغها، لتدخلك أعرق الجامعات الخاصة باللغات، وجاهدت ضد الجميع لتحقق لك رغبتك؟!
وضعت “ غادة “ يدها بعصبية فوق سماعة الهاتف، قطعت حوارها، ثم نظرت بغضب نحو بنتيها موجهة حديثها لساندي :
– اخفضي صوتَ التلفاز قليلًا، لا أستطيعُ سماع صوت خالتك “وفاء “ بوضوح، ثم عادت إلى حوارها من جديد :
– لم أنسَ، يا “ وفاء “ وأتذكر أيضا أنها من دفعت مصروفات المدرسة الخاصة لساندي وسيرين، هذا واجبها كأم، وأنا كأم سأحارب من أجل مستقبل أولادي، حتى وإن تطلب الأمر أن أرفع قضية “ حَجْر” في المحكمة !!…
– “ غادة “ ماذا تقولين؟!. كيف استطعتِ النطق بمثلِ تلك الكلمات؟!, إن أمَّك قد صَارت كَبيرة، وموقف مثل ذلك قد يؤدي إلى …………. لا أستطيع نطق الكلمة !
– إذن يا “ وفاء “ لانتهى الأمر،ولم تعد هناك مشكلة !
” تفرض غريزة الغابة قوانينها الصارمة، فيجب أن تبدأ “ ميا “ بتحديد منطقتها الخاصة، ومعالم حياتها الجديدة، حيث لا مأوى ولا طعام للضعفاء، تتعارك “ ميا “ مع “ تالا “ التي تقف مستسلمة مدافعة !
تتشابك المخالب، تغرس الأنياب، ينكشف الغبار عن “ تالا “ الجريحة، فقدت إحدى عينيها،وانكسرت ساقها اليمنى !
تمضي مبتعدة في خطوات متعرجة، يحملها ألمه الطريق لا تعرفه، ويرشدها وجعها حيث نهاية تستشعرها قريبة، وإن كانت لا تعلم موعدها أو مكانها، تتوقف هنا، في تلك الحفرة المنخفضة عن مستوى السهل الأخضر، تلقي بجسدها المنهك، تغمض عينها المتبقية، على دمعة تأبى السقوط، يمر شريط من ذكريات عمر طويل، منثور فوق أرض الغابة، هنا ولدت “ ميا “ ،وهنا كانت تلعب و تمرح !!.
حقا، ما أقسى حياة الغابة !! ”








