مقالات

لذة الرفض: وقودُ الإصرار على بلوغ القمة!!

لذة الرفض: وقودُ الإصرار على بلوغ القمة!!

لذة الرفض: وقودُ الإصرار على بلوغ القمة!!

كتب : الاستاذة الدكتورة شرين ابووردة

في مقتبل عمري المهني، غرس والدي في نفسي مبدأً صار بمثابة ميثاق لشخصيتي؛ فقد كان لا يترك فرصة تمرّ إلا ويُحدثنا فيها عن الكرامة، ويربينا على أن عزة النفس هي أصل كل نجاح. قال لي يوماً بلهجة الواثق:

 

“دربي نفسكِ على الرفض، فقلة خبرتكِ لا تعني أبداً قبولكِ بالأقل”.

 

تذكرت كلماته تلك حين رفضت أول عرض متواضع طرق بابي في مقتبل حياتي، ورغم افتقاري للخبرة آنذاك، إلا أنني شعرت بـ “لذة الرفض” لأول مرة؛ كانت لذة تشبه شهيقاً عميقاً من الحرية،

 

إن تذوقي لتلك اللذة في مقتبل حياتي ظلَّ يلازمني طيلة رحلتي المهنية؛ فقد جعلني أشعر أنني أكبر من كل الإغراءات، وأرفع من أن يطالني الفساد بكافة أشكاله المبطنة، أو أنجرف وراء الخطأ مهما تجملت أعذاره. أدركتُ بعمق أن كرامتي المجبولة على النقاء، ومبادئي التي لا تقبل المساومة، هي البوصلة الوحيدة التي تقودني، وهي بالتأكيد أغلى وأبقى من أي بريق زائف لأي فرصة.

 

لم تكن تلك اللذة غروراً، بل كانت حافزاً ومحركاً لا ينطفئ، فقررت أن أهب عملي كل طاقتي وشغفي، ساعيةً بجدّ لأكون متميزة في مجالي وأصل لدرجة من الإتقان والبراعة تجعل خطواتي ثابتة. كنت أعمل بصبر لأصقل مهاراتي، متطلعةً لليوم الذي أملك فيه ترف الاختيار الذي ينسجم مع قناعاتي ويحفظ تلك الكرامة التي نشأتُ عليها. لم يكن الرفض عندي يوماً مجرد عناد، بل كان سعياً لأن يكون قبولي لأي فرصة نابعاً من التقدير المتبادل والتميز، وفاءً لتلك القيم الجميلة التي غرسها والدي في روحي.

 

واليوم، تكتمل الدائرة بشكل مدهش؛ فقد عُرضت عليّ فرصة قد تبدو للوهلة الأولى مبهرة بمقاييس كثيرة، لكنني اعتذرت عنها بكل هدوء ومحبة، لأنني شعرت أنها لا تناسبني. في تلك اللحظة، غمرني شعور بالرضا؛ إنها طمأنينة الإنسان الذي يعيش في تصالح مع اختياراته.

 

لقد علمتني الأيام أن السنوات التي قضيتها في تطوير مهاراتي حتى أصبحتُ متقنة لأصول صنعتي، لم تكن مجرد رحلة مهنية، بل كانت رحلة شاقة ممتعة لبناء إنسانة تمتلك رفاهية الاختيار بابتسامة حنونة، تدرك أن النجاح الحقيقي هو أن يجد الإنسان نفسه في المكان الذي يشبه روحه ويحترم مبادئه. لقد أثبتت لي الأيام أن الرفض ليس خسارة، بل هو عناق دافئ للنفس، وتأكيد على أنني لم أخذل يوماً تلك الكرامة التي رباني عليها أبي… نم قرير العين يا أبي، فما زلتُ أحيا بكرامتك التي أورثتني إياها، وما زال نبضُ “لا” لكل غلط التي علمتني إياها يحمي خطواتي ويصنعُ نجاحي .

 

وفي نهاية المطاف، أدركتُ أن كل ما نتركه لله يعوضنا الله بخير منه، وأن ما قدّره الخالق لنا سيصل إلينا مهما طال الطريق، وما لم يُكتب لنا فلن نناله ولو ملكنا كل أسباب السعي؛ فاليقين الذي يسكن قلبي هو قول الله تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ}. لذا، أمضي في طريقي بقلبٍ هادئ وروحٍ مطمئنة، مؤمنةً بأن ما اختاره الله لي هو دائماً الأجمل.

زر الذهاب إلى الأعلى