صوت العرب: منبر التعبئة ضد الاستعمار
بقلم: عبد المجيد عبوبي
رئيس المجلس الوطني لحزب الحرية والعدالة الاجتماعية بالمغرب
حين نغوص في صفحات التاريخ المعاصر للأمة العربية، ونستحقس الذاكرة الجماعية للنضال التحرري، يبرز اسم “راديو صوت العرب من القاهرة” كأحد أعظم المنجزات الإعلامية والسياسية التي عرفتها المنطقة في القرن العشرين. لم تكن هذه الإذاعة مجرد مرسل يستقبل ويذيع، بل كانت كياناً حياً ينبض بالحرية، ودرعاً واقياً للمظلومين، ومنبراً استراتيجياً هائلاً أعاد رسم خارطة الوعي العربي من المحيط إلى الخليج.
إن العلاقة الوثيقة التي تربط المشرق بالمغرب، وتحديداً بين القاهرة الأبية والمغرب الأثير، تجلت في أبهى صورها عبر أمواج هذه الإذاعة التي كانت وما زالت جسراً متيناً يربط الكفاح الوطني في شمال إفريقيا بالنبض القومي في قلب مصر الناصرية.
أولاً: كسر طوق العزلة وفضح الغطرسة الاستعمارية
في مرحلة تاريخية حالكة كانت فيها القوى الاستعمارية تحكم قبضتها الحديدية على الشعوب، وتفرض تعتيماً إعلامياً محكماً لطمس هويات المستعمرات وعزلها عن محيطها، ظهرت “صوت العرب” لتخرق هذا الحصار.
لقد مثلت الإذاعة صوتاً لمن لا صوت له، واقترحت بديلاً ثورياً يواجه آلة الدعاية الاستعمارية الغربية. ومن خلال برامجها الموجهة، نجحت في فضح ممارسات القمع، والانتهاكات الجسيمة التي تعرضت لها الشعوب المستعمرة، وعلى رأسها الشعب المغربي الشقيق الذي كان يناضل من أجل نيل استقلاله وعودة شرعيته وقيادته الوطنية.
ثانياً: الحاضنة الرمزية لحركات التحرر الوطني
لم تكتفِ “صوت العرب” بدور الناقل الإخباري، بل تحولت إلى حاضنة رمزية وسياسية لزعماء وقادة حركات التحرر في العالم العربي. لقد فتحت استوديوهات إذاعة القاهرة أبوابها لكل أحرار المغرب العربي والمشرق، ليخاطبوا شعوبهم والعالم بلسان الثورة والحق المشروع.
في وجدان المواطن المغربي، اقترن صوت الإذاعة بأمل الخلاص والحرية. كانت الكلمات التي تنطلق عبر أثيرها تزرع اليقين بأن الاستعمار إلى زوال، وبأن رابطة الدم والعروبة والمصير المشترك هي أقوى من كل الحدود المصطنعة التي رسمتها اتفاقيات الاستعمار. لقد شعرت الجماهير المغربية أن القاهرة هي امتداد طبيعي لرباطها وفاسها ومراكشها، وأن صوت المقاومة واحد وإن اختلف مكان الصدى.
ثالثاً: التعبئة الثقافية وبناء الهوية القومية
إلى جانب دورها السياسي والتحريري، لعبت “صوت العرب” دوراً استثنائياً في البناء الثقافي والتوعوي. لقد أدرك مؤسسوها أن التحرر الحقيقي يبدأ بتحرير العقول والوجدان. ومن ثم، فتحت المجال للأدباء، والمفكرين، والفنانين العرب للتعبير عن قضايا أمتهم.
واستطاعت الأغنية الوطنية والقومية التي تبنتها الإذاعة أن تخلق وجداناً عربياً مشتركاً. كانت الكلمة الطيبة واللحن الثوري يصلان إلى كل بيت مغربي، ليترددا معاني العزة والكرامة والانتماء للوطن الكبير. هذا التلاحم الثقافي رسخ في أذهان الأجيال أن المغرب والمشرق جسد واحد؛ فكل نصر يُحقق في الجزائر أو تونس أو المغرب كان يُحتفى به في القاهرة كأنه نصر مصري صميم، والعكس صحيح.
خاتمة: وفاءً للذاكرة واستلهاماً لروح النضال
إن استحضارنا اليوم لدور “راديو صوت العرب” منبر التعبئة ضد الاستعمار، بتوقيع مغربي خالص، ليس مجرد حنين لزمن ماضٍ جميل، بل هو استدعاء لروح النضال والتضامن والوحدة في وجه التحديات المعاصرة التي تواجه أمتنا العربية.
لقد علمتنا “صوت العرب” أن الكلمة الحرة سلاح ماضٍ، وأن الشعوب التي تتوحد على مبادئ الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية قادرة دائماً على صناعة المعجزات، وكسر قيود الهيمنة، مهما طال ليل الاستعمار أو تعددت أشكاله.







