المسكوت عنه في الذات الشاعرة: تحليل نفسي-نصي لديوان “أنا الموقع أدناه” للحبيب حاجي
المسكوت عنه في الذات الشاعرة: تحليل نفسي-نصي لديوان "أنا الموقع أدناه" للحبيب حاجي

المسكوت عنه في الذات الشاعرة: تحليل نفسي-نصي لديوان “أنا الموقع أدناه” للحبيب حاجي
بقلم الكاتب: يوسف السباعي المغرب
في تجربة شعرية تستعصي على القبض وتتفلت من الحدود، يخطّ لحبيب حاجي ديوانه “أنا الموقع أدناه (ثابرات)”، لا بوصفه صوتًا شعريًا فحسب، بل باعتباره ذاتًا تبحث عن اعتراف في فضاء لغوي يتراوح بين الذاتي والتاريخي، بين الواقعي والميتافيزيقي، وبين الشفاهي والمكتوب. هذه الكتابة الشعرية ليست مجرد إزاحة للغة نحو الانزياح الجمالي أو الرمزي، بل هي حركة دؤوبة لما تسميه جوليا كريستيفا بـ”الثورة في اللغة الشعرية”؛ حيث تتقاطع اللغة مع اللاوعي، ويتحول النص إلى مشهد للتحلل والهدم وإعادة التركيب.
في ضوء قراءة كريستيفا، لا نقترب من ديوان حاجي كنقاد أدب فقط، بل كمنقّبين في آثار اللاوعي داخل النص، من خلال ما تسميه بـ”السيميولوجيا النصية” و”التحليل النفسي النصي”. إن الذات الكاتبة هنا ليست واحدة، بل تتشظى بين الأب والابن، بين الحلاج والمواطن، بين الفلسطيني والمرأة، وتتحول اللغة إلى موقع للتوتر المستمر، بين النظام الرمزي (اللغة القانونية، الأبوية، السياسية) والنظام الدلالي (الانفعالي، الجسدي، الشعري).
اللافت في هذا الديوان أن الحضور الأيديولوجي لا يُغرق النص في المباشرة، بل يتخلّق في بنيات لغوية مشبعة بالصور والانفعالات، ويُسند ذلك كثافة حضور الأسطورة والطبيعة والعشق. من هنا، فإن الديوان لا يُقرأ بوصفه موقفًا من العالم، بل بوصفه أثرًا نفسياً لجسد يتكلم، وجسد يكتب، وجسد يُفتّت ذاته في قصائد مفعمة بالاعترافات والرموز والاستعارات.
التحليل النفسي وفق كريستيفا لا يبحث عن “المعنى” الظاهر، بل عن الحركة النصية التي تحفر في جسد اللغة لتكشف ما هو مكبوت ومقموع، وهذا ما نجده في العلاقة المضطربة بالشخصيات المرجعية في الديوان: الأب، الأم، الحلاج، الزوجة، الوطن. جميعها ليست موضوعات شعرية عابرة، بل علامات نصية تستدعي الحفر السيميائي. فالأب، كما يظهر في القراءة، ليس سلطة فقط، بل هو تمثيل للغائب، لما هو مفقود، وما تحاول اللغة استعادته عبر فعل الكتابة. في المقابل، تأخذ الأم طابع الحضور الكلي، كرمز للوطن، للمأوى، للحنين، للمطلق، مما يجعل ثنائية الأب/الأم ليست تقابلاً بل جرحاً مفتوحاً داخل البنية النفسية للنص.
أما حضور الحلاج، فلا يمكن قراءته كمرجعية صوفية فقط، بل كاستعارة للذّات الممزقة، المنفية، المطاردة بلغتها الغامضة، والمهددة من قِبل النظام الرمزي القامع. فكما الحلاج عوقب لأنه تكلم “أكثر مما ينبغي”، فإن الشاعر هنا يبدو على وعي بأن لغته تتجاوز التقريرية، وتدخل في فضاء الطقس، والتطهير، والمواجهة. هذا الوعي يجعل من شعر حاجي تجلياً لما تسميه كريستيفا بـ”لغة الطرد أو النفي” ، حيث تتكلم الذات من موقع المنفى النفسي، سواء كان منفى الذاكرة، أو منفى الهوية، أو منفى الطفولة.

ولأن ديوان “أنا الموقع أدناه” مكتوب بلغة هجينة، تستحضر الدارجة المغربية، والأسطورة الأمازيغية، والمسرح الإغريقي، والتصوف العربي، فإنه ينتج ما يُسمى بـ”النص المتعدد”، ذلك النص الذي يتغذى على نصوص سابقة ويتناص معها لا بوصفه نسخًا، بل بوصفه اختراقًا. وهذا التعدد لا يعكس فقط ثقافة الشاعر، بل أيضًا تمزق الذات الكاتبة بين مستويات متعددة من الانتماء والتعبير: القانوني، الثقافي، الشعبي، الديني، العاطفي.
وهكذا، يتحول الديوان في ضوء قراءة كريستيفا إلى نصّ “ينزف ذاتًا”، لا لأن فيه استعراضًا للـ”أنا”، بل لأنه يكشف هشاشتها، ويضعها أمام مرآة اللغة في أقسى صورها: المرآة التي لا تعكس بل تكسر، المرآة التي لا تُظهر الوجه، بل الغور الذي خلفه. ومن هنا، لا نكون أمام “ديوان سياسي”، أو “ديوان غنائي”، أو حتى “ديوان صوفي”، بل أمام نصّ يعيد إنتاج ذاته باستمرار عبر شروخه، عبر طقوسه، عبر تمرده على القول الواحد واللغة الواحدة والذات الواحدة.
بذلك، فإن “ليلة القبض على الشاعر” لا تحدث إلا في لغةٍ تعتقل المعنى، وتُحرّر الذات، وتُدين الأبوية النصية كما تُدين القمع الواقعي. ولعل السؤال في ختام المقال النقدي الأصلي: “هل نفتح تحقيقًا مع لحبيب حاجي أم نطلق سراحه مؤقتًا؟”، ليس سؤالاً اعتباطيًا، بل هو في الحقيقة إعادة صياغة للعلاقة المعقدة بين الذات المبدعة واللغة التي تكتبها وتدينها في آن، بين الذات والقانون، بين الشاعر ومحاكمه: القانوني، النفسي، الرمزي.
بهذا المعنى، فالديوان لا يُطلق سراحه، بل يظل معلقًا بين الاعتراف والإنكار، بين القبض والتحرر، بين أن يُقرأ كوثيقة أو كجرح لغوي لا يندمل.
تنسيق النصوص: يوسف خليل السباعي





