أمريكا وحدها في مضيق هرمز بقلم / ناصر السلاموني
أمريكا وحدها في مضيق هرمز بقلم / ناصر السلاموني

أمريكا وحدها في مضيق هرمز
بقلم / ناصر السلاموني
أعلنت الولايات المتحدة اليوم أن ناقلات النفط بدأت بالفعل في العبور عبر مضيق هرمز، في إشارة إلى عودة حركة الملاحة في هذا الممر البحري الحيوي الذي يمر عبره ما يقارب ثلث تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم. ويرى بعض المراقبين أن هذا التطور قد يعكس تراجع قدرة إيران على فرض قيود فعّالة على حركة السفن في المضيق، خاصة بعد التصعيد العسكري والسياسي الذي شهدته المنطقة خلال الأسابيع الماضية.
ويُعد مضيق هرمز واحدًا من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، إذ يمثل شريانًا رئيسيًا لإمدادات الطاقة العالمية، الأمر الذي يجعله نقطة حساسة في معادلة الأمن الدولي والاقتصاد العالمي. وخلال الأزمة الأخيرة وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقف سياسي وعسكري معقد بعدما سعت إلى تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في المضيق، لكنها واجهت ترددًا واضحًا من عدد من حلفائها التقليديين.
فمع تصاعد التوتر مع إيران، دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تشكيل تحالف دولي لتأمين الملاحة في المضيق، مطالبًا الدول التي تعتمد على هذا الممر الحيوي بالمساهمة في حمايته، ومشيرًا إلى أن الولايات المتحدة وفّرت الحماية لحلفائها لعقود طويلة، ومن الطبيعي أن يشاركوا اليوم في حماية هذا الطريق البحري الحيوي.
غير أن الاستجابة الدولية جاءت محدودة؛ إذ أعلنت أستراليا رفضها إرسال سفن حربية، بينما أكدت اليابان ضرورة التعامل مع الأزمة بحذر شديد، وأعلنت كوريا الجنوبية أنها ستدرس الطلب. أما في أوروبا فقد أبدت كل من المملكة المتحدة وفرنسا تحفظًا على المشاركة العسكرية المباشرة، في حين صرّح وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس بأن هذه الحرب ليست حرب أوروبا، متسائلًا كيف يمكن لعدد محدود من السفن الأوروبية أن يحقق ما قد تعجز عنه البحرية الأمريكية نفسها.
كما أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن دول الاتحاد لا ترى نفسها طرفًا في الحرب مع إيران، وأن إرسال سفن حربية إلى المضيق ليس خيارًا مطروحًا في الوقت الراهن.
وفي المقابل، كان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد صرّح في ذروة الأزمة بأن مضيق هرمز سيظل مفتوحًا أمام الملاحة الدولية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن السفن التابعة للولايات المتحدة وحلفائها المشاركين في العمليات العسكرية ضد بلاده قد لا تتمتع بالمرور الآمن، في محاولة واضحة لحصر المواجهة مع واشنطن دون توسيعها إلى صراع دولي شامل.
وفي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تسعى إلى حشد الدعم في منطقة الخليج، التزمت الصين الصمت، وهو موقف يحمل دلالات سياسية مهمة، خاصة أنها تعد أحد أكبر شركاء إيران الاقتصاديين وأكبر المشترين لنفطها. كما شهدت منطقة شرق آسيا تحركات عسكرية صينية ملحوظة حول جزيرة تايوان، في خطوة فسرها بعض المراقبين على أنها استغلال لانشغال واشنطن بأزمات الشرق الأوسط.
إن ما جرى خلال هذه الأزمة يكشف بوضوح أن العالم يشهد تحولًا تدريجيًا نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، لم تعد فيه الولايات المتحدة قادرة على حشد التحالفات بسهولة كما كان الحال بعد نهاية الحرب الباردة. كما يعكس تغيرًا في سلوك الحلفاء التقليديين الذين باتوا أكثر حرصًا على تجنب الانخراط في صراعات لا تمس مصالحهم المباشرة.
ومن ثم فإن أزمة مضيق هرمز لا تعكس مجرد خلاف حول تأمين ممر بحري، بل تمثل مؤشرًا على تحولات أعمق في موازين القوى الدولية، وتحمل في طياتها دلالات على مرحلة جديدة من التوازنات العالمية التي تتشكل ملامحها تدريجيًا، وهو ما يفرض على دول المنطقة قراءة المشهد الدولي بعقل استراتيجي يواكب هذه التحولات المتسارعة.





