أدب وثقافةمقالات

رؤية نقدية في كتاب بين كفتين. مصطفى العقاد

د. أسماء الفولي تنطلق في رحلة نحو التوازن.

 

رؤية نقدية في كتاب بين كفتين. مصطفى العقاد

د. أسماء الفولي تنطلق في رحلة نحو التوازن.

بقلم مصطفى العقاد

يتمحور كتاب “بين كفتين” للدكتورة “أسماء الفولي” حول بنية فلسفية تسعى لترميم التصدعات النفسية التي يخلفها إيقاع الحياة المعاصر, وتطرح المفهوم كحالة وجودية بصورة ديناميكية من السعي المستمر, وفي طرحها تعتمد على تقديم النصائح الإرشادية لتنتقل إلى فضاء التحليل السيكولوجي القائم على ثنائية “الذات” و”الموضوع.”​

تستهل د أسماء رؤيتها الوجودية باتخاذ “الميزان” وحدةً قياسيةً ليس للكتلة، وإنما للماهية الإنسانية في تجلياتها الأكثر تعقيداً. تشبيه الحياة بميزان دقيق يتجاوز البعد البلاغي يلامس جوهر الصراع القيمي؛ حيث توضع الأثقال في كفة التحديات والواجبات، والأحلام والرغبات في الكفة المقابلة. وهذا الطرح يرسخ لمفهوم ثنائية أخرى وهي “السعي والرضا”، وتلك الثنائية تهدف إلى خلق حالة من الاتساق النفسي, فالنص يقرر أن المعنى الحقيقي للحياة يكمن في إدارة التوتر القائم بين النجاح الطموح والسلام الداخلي، مما يجعل من الحياة المتوازنة غايةً تتطلب يقظةً فكريةً واعية ودائمة…

ينتمي كتاب “بين كفتين” من حيث بنيته الفكرية إلى ما يمكن إدراجه ضمن حقل علم النفس الإيجابي والذي يركّز على مفاهيم مثل الرضا، الاتساق الداخلي، وبناء المعنى الشخصي. ويظهر هذا الانتماء بوضوح في تعريف السعادة بوصفها حالة ناتجة عن انسجام مكونات الذات، وفي التركيز على مفهوم “الاستحقاق” بوصفه مدخلًا لإعادة تشكيل العلاقة بين الفرد ونفسه. غير أن النص لا يستند إلى هذا الحقل استنادًا مرجعيًا مباشرًا, وإنما يعيد إنتاج مفاهيمه في صيغة مبسطة تتجه نحو التلقي العام أكثر من التنظير المتخصص.

ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة الكتاب في ضوء مقاربات علم الاجتماع، خاصة في ما يتصل بفكرة العلاقات بوصفها مرآة للذات. هذا الطرح يقترب من تصورات التفاعل الرمزي التي ترى أن الهوية تتشكل من خلال علاقة الفرد بالآخرين. إلا أن الكاتبة تُعيد صياغة هذه الفكرة ضمن خطاب إرشادي يركّز على البعد الفردي دون التوسع في تحليل الشروط الاجتماعية أو الثقافية التي تؤثر في هذه العلاقات, وهو ما يكشف عن ميل واضح إلى تغليب المنظور الذاتي.

أمّا عن مستوى البنية الخطابية، فيمكن تصنيف النص ضمن ما يُعرف بـ “الخطاب التحفيزي المعاصر” الذي يقوم على مخاطبة القارئ مباشرة وتقديم جمل تقريرية ذات طابع إرشادي. هذا النمط يحقق فاعليته من خلال الإيقاع العاطفي والتنظيم المتوازن للجمل، وهو ما أُشرت إليه سابقًا، حيث تتجاور العبارات في نسق يمنح النص انسيابية واضحة, وفي المقابل يظل البناء يعتمد على الأمثلة والتحليل التفصيلي، وهو اختيار يتسق مع طبيعة هذا النوع من الكتابة.

ومن منظور نقدي أوسع، يمكن القول إن الكتاب يعكس تحوّلًا في طبيعة الخطاب الثقافي المعاصر، حيث تتراجع الأسئلة الكبرى ذات الطابع الفلسفي لصالح أسئلة الحياة اليومية المرتبطة بالراحة النفسية وإدارة الضغوط. وهذا التحول لا يقلل من قيمة الطرح, وإنما يحدد وظيفته بدقة, وتقديم أدوات إدراكية تساعد القارئ على تنظيم تجربته الشخصية. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الكتاب بوصفه نصًا يواكب احتياجات القارئ في سياق اجتماعي يتسم بتسارع الإيقاع وتزايد الضغوط.

كما يمكن تعزيز القراءة عبر مقارنته بأعمال تنتمي إلى تقاليد فكرية أعمق، مثل كتاب تأملات لـ ماركوس أوريليوس، حيث يظهر الاشتراك في الدعوة إلى الاتزان الداخلي، مع اختلاف في مستوى العمق الفلسفي وأدوات المعالجة. وفي السياق العربي يمكن وضعه على مسافة من كتابات عملاق الأدب العربي والمفكر “عباس محمود العقاد” والتي تناولت تطوير الذات من منظور فكري تحليلي أكثر تركيبًا، وهو ما يبرز خصوصية خطاب هذا الكتاب من حيث بساطته ووضوحه.

تتجلى القيمة المعرفية للكتاب في قدرته على أداء وظيفة وسيطة بين الفكر المتخصص والتلقي العام، إذ يقدّم مفاهيم معروفة في مجالات متعددة، ويعيد صياغتها بلغة قابلة للتداول. وهذه الوساطة تمنحه أهمية في سياق نشر الوعي، حتى وإن لم يسعَ إلى إنتاج معرفة جديدة بالمعنى الأكاديمي الدقيق. كما أن وضوح لغته واعتماده على إيقاع عاطفي منضبط، يسهمان في ترسيخ أثره لدى القارئ.

في ضوء ذلك، يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه نصًا وظيفيًا ناجحًا ضمن مجاله، يحقق توازنًا بين البعد التأملي والبعد الإرشادي، ويستجيب لحاجة حقيقية لدى شريحة واسعة من القراء. وتكمن أهميته في هذا التحديد الدقيق لوظيفته، وفي قدرته على تقديم محتوى منظم ومتماسك، يظل مفتوحًا أمام قراءات أعمق لمن يرغب في توسيع أفقه النظري…

 

د. أسماء الفولي تنطلق في رحلة نحو التوازن.
د. أسماء الفولي تنطلق في رحلة نحو التوازن.

 

زر الذهاب إلى الأعلى