قراصنة التكريم وظاهرة الجوائز الوهمية. محمد رمضان أمين
قراصنة التكريم
ظاهرة الجوائز الوهمية واستغلال شغف الأدباء
بقلم : محمد رمضان أمين
كثيرًا ما راودتني الرغبة في الكتابة عن هذا الموضوع “ظاهرة الجوائز الوهمية واستغلال شغف الأدباء”. ومع كثرة الأسئلة التي طُرحت حوله، وجدت أن الوقت قد حان لطرحه بوضوح، لا سيما في ظل تنامي ظاهرة باتت تُهدد قيمة الإبداع الحقيقي وتُشوّه صورة التكريم الثقافي.
في زمننا هذا، صار للتكريم وجهان متباينان: وجهٌ ناصع، تمنحه جهات معتبرة بعد جهد حقيقي وإنجاز ملموس، فيتحول إلى وسام يزين صدر المكرَّم، ويرفع من قيمته، ويشهد على عطائه وإخلاصه. هذا النوع من التكريم لا يُطلب ولا يُشترى، بل يأتي تتويجًا لمسيرة، واعترافًا مستحقًا بموهبة صادقة.
وفي المقابل، ظهر وجهٌ آخر أكثر قتامة، يمكن أن نُطلق عليه “التكريم الوهمي”، أو ما بات يُعرف بين الأوساط الثقافية بـ“قراصنة التكريم”. هؤلاء لا يبحثون عن الإبداع، بل عن جيوب المبدعين. يُتقنون صناعة الوهم؛ يستأجرون قاعات فخمة، يطبعون شهادات ذات أطارات براقة، يُنظمون حفلات تحمل عناوين رنانة، ثم يفتحون باب “التكريم” مقابل رسوم تُدفع سلفًا.
وفي نهاية المشهد، تُلتقط الصور، وتُكتب المنشورات: “تكريم الأديب فلان في مؤتمر كذا”، بينما الحقيقة المؤلمة أن ما كُرِّم لم يكن إبداعه، بل قدرته على الدفع.
تكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تكتفي بخداع الأفراد، بل تُربك معايير التقييم داخل الوسط الثقافي. فحين تتساوى الشهادة المدفوعة مع الجائزة المستحقة في أعين العامة، تضيع الحدود بين المجتهد والمُدّعي، ويتراجع الإبداع الحقيقي أمام ضجيج زائف.
كما أن هذه الظاهرة تستهدف بالأساس الكُتّاب الشباب والطامحين، أولئك الذين يسعون لإثبات أنفسهم، فيجدون في “التكريم السريع” فرصة للظهور، دون أن يدركوا أنهم يقعون ضحية استغلال مُقنّع. وهنا تتحول أحلام الاعتراف إلى تجارة، ويُصبح الطموح مادةً للاستنزاف.
التكريم الذي يُشترى بالمال لا يضيف شيئًا لصاحبه، بل يُحمّله عبئًا معنويًا، ويُفقده مصداقيته أمام نفسه قبل الآخرين. أما التكريم الحقيقي، فهو الذي تمنحه الكلمة الصادقة، والعمل الجاد، والرحلة الطويلة المليئة بالتعب والمحاولات.
مواجهة “قراصنة التكريم” لا تكون فقط بكشفهم، بل أيضًا بنشر الوعي بين المبدعين، وترسيخ فكرة أن القيمة لا تُشترى، وأن الطريق الحقيقي نحو التقدير يمر عبر الاجتهاد لا عبر بطاقات الدفع. وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نبحث عن تكريم يلمع سريعًا ويخبو، أم عن أثرٍ يبقى طويلًا حتى وإن تأخر الاعتراف به؟






