مقالات
حين يتحوّل الأب إلى معنى للحياة والقوّة … “لا تقولي لا أستطيع… يمكنك أن تفعلي أي شيء تقررينه”

عبير عبيد بركات
هناك رجال يمرّون في الحياة مرورًا عاديًا، وهناك رجال يتركون أثرًا لا يشبه أحدًا… رجال يصبحون فكرة، ذاكرة، ومدرسة لا تنتهي. هكذا كان أبي. بعد سبع سنوات على رحيله إلى دنيا الحق، ما زلت أكتب عنه وكأن الكلمات عاجزة عن احتوائه. لم يكن مجرد أب لعائلته، بل كان إنسانًا استثنائيًا، صاحب حضور طاغٍ وشخصية يصعب أن تتكرر. كان محبوبًا من الجميع، حتى من اختلفوا معه سياسيًا وفكريًا. وربما هذه أعظم صفاته: أن إنسانيته كانت أقوى من أي انقسام، وأرقى من أي خلاف.
رحل أبي فجأة… وكأن الموت اختاره برحمة خاصة
في اللحظات الأخيرة، انتظرني حتى أصل من بيروت إلى جبيل لأكون بقربه. كانت دقائق تختصر عمرًا كاملًا. حاولت بكل قوتي أن أساعده، لكن الله كان أقرب إليه منا جميعًا. رحل بهدوء، دون ألم، دون معاناة، وكأن السماء أرادت أن تحميه من وجع المرض والعلاج والمستشفيات. في الليلة التي سبقت وفاته، كان حاضرًا في أمسية ثقافية، يتحدث ويضحك كعادته، ولم يكن يشكو من شيء. لذلك أؤمن أن الموت المفاجئ، رغم قسوته على من يبقون، هو أحيانًا نعمة يمنحها الله لمن أحبهم كثيرًا.
أنتمي إلى عائلة كان العلم فيها رسالة حياة
جدي، والد أبي، كان رجلًا مهيبًا وجميل الحضور، عمل في الدرك وانتقل من بلدته لاسا في جرود جبيل إلى المدن الكبيرة، لكنه حمل معه دائمًا شغفه الأكبر: العلم. لم يكن يعتبر التعليم رفاهية، بل رسالة ومسؤولية، فزرع هذا الإيمان في أولاده.
شقيق أبي الأكبر أنطوان أصبح أستاذًا ومفكرًا وصاحب مؤلفات وأفكار أغنت من حوله. أما جميل، فبدأ بدراسة الأدب العربي وعمل مدرسًا في أفريقيا، لكنه عاد بعمر الثانية والثلاثين إلى الجامعة ليحقق حلمه ويصبح طبيبًا ناجحًا. وقيس، الابن الثالث، دخل أيضًا عالم الطب وتميّز فيه وكان طبيبا بارزا. أما البنات: سعاد، ليلى، ولور، فرغم أن ظروف ذلك الزمن لم تسمح لهن بإكمال التعليم الجامعي بسبب الزواج المبكر، إلا أنهن تربّين في بيئة تقدّس العلم، ودرسن في المدرسة التي بناها والدهن في الدكوانة، تلك المدرسة التي كانت انعكاسًا حقيقيًا لإيمان العائلة بالمعرفة.
ثم جاء أبي… أصغر أفراد العائلة، لكنه حمل إرثًا فكريًا وإنسانيًا كبيرًا.
تخرج مهندسًا معماريًا من جامعة الألبا، وكان فنانًا بكل معنى الكلمة. في زمن لم تكن فيه برامج تصميم أو حواسيب، كان يرسم مخططاته بيديه بدقة مذهلة وشغف حقيقي. كانت خطوطه تحمل جزءًا من روحه، وكانت كل خريطة يرسمها تشبهه: أنيقة، دقيقة، ومليئة بالحياة.
بعد تخرّجه، سافر إلى المملكة العربية السعودية برفقة والدتي، رفيقة دربه وسنده الحقيقي، التي كانت تقف إلى جانبه في كل لحظة، تدعمه بمحبتها وصبرها، وتخفف عنه أعباء المسؤولية وتشاركه تفاصيل الحياة بحب وإخلاص. وكان لها فضل كبير عليه وعلينا جميعًا، بما كانت تتمتع به من قلبٍ حنون وروحٍ محبة جمعت العائلة على الدفء والطمأنينة. وقد كانا متشابهين في القيم والأمور الأساسية في الحياة، يتقاسمان الإيمان بالمحبة، والعطاء، واحترام الناس، فشكّلا معًا مثالًا جميلًا للتفاهم والشراكة الحقيقية.
هناك بنى نجاحه المهني وحقق استقرارًا ماديًا، لكن ما اكتشفناه بعد رحيله أن نجاحه الحقيقي لم يكن فقط في عمله، بل في إنسانيته وأثره الطيب في حياة الآخرين. عرفنا من الناس أنه كان يساعد الكثير من العائلات بصمت، ويقف إلى جانب المحتاجين دون أن يخبر أحدًا، ويعطي بمحبة صادقة لا تنتظر مقابلًا ولا شكرًا. وربما كان هذا الخير الذي زرعه امتدادًا طبيعيًا لما عاشه مع والدتي من قيم الرحمة والعطاء والتكاتف، فكانا معًا مصدر خير ومحبة لكل من عرفهما.
منه تعلمنا أنا وإخوتي أول وأهم دروس الحياة: الصدق.
كان يكره الكذب بشدة، ويرى أن الإنسان يفقد قيمته حين يفقد صدقه. وتعلمنا منه أيضًا القوة… قوة الشخصية، قوة الموقف، وعدم الخوف. كان دائمًا يردد لي:
“لا تقولي لا أستطيع… يمكنك أن تفعلي أي شيء تقررينه.” هذه الجملة لم تكن مجرد نصيحة، بل أصبحت أسلوب حياة أواجه به الدنيا.
علّمنا حب الوطن والمواطنة الحقيقية، لذلك أحببت لبنان رغم كل شيء. كانت الفرص متاحة أمامي للسفر والعيش في الخارج، لكنني كنت مؤمنة دائمًا أن هويتي اللبنانية هي مصدر قوتي، وأن الإنسان لا يساوم على انتمائه الحقيقي.
كما علّمنا احترام الرأي الآخر، وأن الحوار الراقي أهم من الانفعال والصراخ. كان يناقش بثقافة وثقة، لكن دائمًا باحترام. وعلّمنا أيضًا أن نتعاطف مع الضعيف، وأن نمد يد العون للمحتاج، لأن ما نزرعه في هذه الحياة سيعود إلينا يومًا ما. كان إيمانه المسيحي قائمًا على المحبة والغفران، لذلك ربّانا على أن نواجه القسوة بالمحبة، لا بالكراهية.
ومن أهم الدروس التي تركها في داخلي: أن كرامة الإنسان أهم من المال. عشت هذا المبدأ معه في كل تفاصيل حياته. كان يرى أن المال وسيلة للعيش، لكنه لا يصنع قيمة الإنسان ولا كرامته.
كبرت في بيت كان الحديث فيه عن السياسة، الثقافة، والعلم، لا عن التفاهات والسطحية. لذلك تشكلت شخصيتي على حب القراءة، والسعي الدائم للتعلّم، وعدم الخوف من أن أكون نفسي كما أنا، دون الحاجة لإرضاء أحد.
كان أبي موسوعة حقيقية… يفهم في السياسة، والثقافة، والفن، والحياة. يناقش بعنفوان، لكنه لا يجرح، ويختلف دون أن يكره.
رحيله كان من أصعب ما عشته… وما زال
لكنني أحيانًا أحمد الله لأنه لم يشهد ما وصل إليه لبنان والعالم. منذ عام 2019 ونحن نعيش الانهيار تلو الآخر: الثورة، الأزمة الاقتصادية، سرقة أموال الناس، انفجار بيروت، والحروب والدمار المستمر. كان قلبه سيتعب كثيرًا لو رأى كل هذا الخراب.
ورغم كل الحزن، أؤمن أن الله أحب أبي كثيرًا… فأخذه إليه بهدوء، دون ألم أو عذاب، إلى مكان لا حروب فيه، ولا خيبات، ولا وجع. رحمك الله يا أبي… ستبقى دائمًا الحكاية الأجمل في حياتي، والدرس الذي لا ينتهي.





