الطلاق ومعايير الاختيار الزوجي بقلم/جمال القاضي
الطلاق ومعايير الاختيار الزوجي
بقلم/جمال القاضي
تَشْهَدُ مجتمعاتُنا في الآونةِ الأخيرةِ تزايدًا ملحوظًا في حالاتِ الطلاقِ، حتى أضحت هذه الظاهرةُ تُهدِّدُ نسيجَ الأسرةِ وتُقوِّضُ أركانَها، وتُفكِّكُ روابطَها المتماسكةَ. ومع تفاقمِ هذه الظاهرةِ، تتجلّى آثارُها الاجتماعيةُ والنفسيةُ بوضوحٍ؛ إذ يتشردُ الأبناءُ في بيئاتٍ مضطربةٍ، فينحرفُ بعضُهم نحو الجريمةِ أو تعاطي المخدراتِ، في ظلِّ غيابِ الرعايةِ الأسريةِ المتوازنةِ التي تجمعُ بين الحنانِ والرقابةِ.
وقد أفرزت هذه الظاهرةُ أيضًا اختلالًا في البنيةِ الاجتماعيةِ، حيثُ انتشرت بعضُ السلوكياتِ المنحرفةِ، وتباينت نظرةُ المجتمعِ إلى المطلقاتِ بين ظلمٍ وسوءِ فهمٍ، حتى صار البعضُ يُحمِّلُ المرأةَ وحدها مسؤوليةَ الطلاقِ دون إنصافٍ أو إدراكٍ للأسبابِ الحقيقيةِ التي تقفُ وراءه.
وفي حقيقةِ الأمرِ، فإنَّ من أبرزِ أسبابِ تفاقمِ هذه المشكلةِ يعودُ إلى اضطرابِ معاييرِ الاختيارِ عند الزواجِ؛ إذ بات كثيرٌ من الشبابِ والفتياتِ يختارون شريكَ الحياةِ وفق اعتباراتٍ سطحيةٍ كالجمالِ أو المالِ أو المنصبِ أو النسبِ، بعيدًا عن الأسسِ التي أرساها الدينُ الحنيفُ لبناءِ الأسرةِ الصالحةِ.
وقد بيَّن القرآنُ الكريمُ هذه المعاييرَ بأسلوبٍ بليغٍ، فقال تعالى في سورةِ القصصِ:
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
فهاتان الصفتان هما القوةُ والأمانةُ، تمثلان أساسًا جوهريًّا لاختيارِ الزوجِ. فالقوةُ لا تقتصرُ على البنيةِ الجسديةِ فحسب، بل تشملُ القدرةَ على تحمُّلِ مسؤولياتِ الحياةِ، والسعيَ في طلبِ الرزقِ، وصونَ الأسرةِ من الحاجةِ والضعفِ، بما يضمنُ استقرارًا معيشيًّا كريمًا.
أما الأمانةُ، فهي ركيزةُ الثقةِ في الحياةِ الزوجيةِ؛ إذ تمنحُ الزوجةَ طمأنينةً بأنَّ زوجَها يحفظُ حقوقَها، ولا يظلمُها، ولا يخونُها، بل يصونُ كرامتَها في حالتي الاستمرارِ أو الانفصالِ، بعيدًا عن مظاهرِ التشهيرِ أو انتهاكِ الخصوصيةِ التي باتت تُشوِّهُ صورةَ العلاقةِ الزوجيةِ في بعضِ الحالاتِ المؤسفةِ.
وفي المقابلِ، فإنَّ من أبرزِ الصفاتِ التي ينبغي أن تتحلّى بها المرأةُ صفةُ الحياءِ، وهي قيمةٌ أصيلةٌ جعلها الإسلامُ من دلائلِ الإيمانِ وكمالِ الأخلاقِ. وقد تجلّى ذلك في قوله تعالى في سورةِ القصصِ:
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾.
فالحياءُ للمرأةِ ليس مجردَ سلوكٍ عابرٍ، بل هو سياجٌ أخلاقيٌّ يحفظُها، ويصونُ كرامتَها، ويُهذِّبُ تعاملاتِها، ويجعلُها أكثرَ وعيًا وحدودًا في سلوكِها وعلاقاتِها.
وقد أكَّد النبيُّ ﷺ هذا المعنى بقوله:
«الحياءُ من الإيمانِ»، وهو ما يدلُّ على أنَّ فقدانَ الحياء يُنقِصُ من كمالِ الإيمانِ، ويؤثرُ سلبًا في السلوكِ، وينعكسُ بالضرورةِ على استقرارِ الأسرةِ وتماسكِ المجتمعِ.
ومن هنا، فإنَّ إعادةَ النظرِ في معاييرِ اختيارِ شريكِ الحياةِ أمرٌ في غايةِ الأهميةِ، إذ ينبغي أن تُبنى هذه الاختياراتُ على الدينِ والأخلاقِ لا على مظاهرِ الدنيا الزائلةِ. فبصلاحِ المرأةِ يصلحُ المجتمعُ، وبصلاحِ الرجلِ تستقيمُ الأسرةُ، إذ إنَّ البناءَ الأسريَّ السليمَ لا يقومُ إلا على أسسٍ راسخةٍ من الإيمانِ والقيمِ والأخلاقِ الفاضلةِ.






