بين الخيالِ والواقعِ… كيف ينجحُ الزواجُ؟
بقلم: جمال القاضي
حينَ ترسمُ المشاعرُ صورةً مثاليَّةً للحياةِ
كثيرًا ما يستمعُ الشابُّ والفتاةُ إلى عذبِ الكلماتِ ورقيقِ العباراتِ المتبادلةِ بين المحبِّين، فتنجذبُ النفوسُ إليها، ويظنُّ كلٌّ منهما أنَّ الحياةَ كلَّها تتجلَّى في تلك الكلماتِ الجميلةِ، ذاتِ الحروفِ الرقيقةِ والمعاني النقيَّةِ والأحاسيسِ البراقةِ.
وحينئذٍ يتمنَّى الشابُّ أن تمضيَ سنواتُ العمرِ سريعًا ليصبحَ رجلًا يافعًا، وتتمنَّى الفتاةُ أن تكتملَ أنوثتُها لتخوضَ تجربةَ الحبِّ والزواجِ التي رسمتها في خيالِها بألوانٍ زاهيةٍ وصورٍ مثاليَّةٍ. ويتوقُ كلٌّ منهما إلى اليومِ الذي يعيشُ فيه تلك المشاعرَ التي طالما نبضَ قلبُه على إيقاعِها، وتغذَّى وجدانُه على أحلامِها.
وتحلمُ الفتاةُ بأن تكونَ ملكةً في حياةٍ يسودُها الصفاءُ والدفءُ والتفاهمُ، بينما يتخيَّلُ الشابُّ بيتًا تظلِّلُه المحبَّةُ، ويملؤه الإصغاءُ والاهتمامُ المتبادلُ. ويتصوَّرُ الاثنانِ أنَّ الحديثَ بينهما لن ينقطعَ أبدًا، وأنَّ الشوقَ سيظلُّ متجدِّدًا، فيروي ظمأَ القلوبِ، ويُزهرُ الحبَّ على أغصانِ الحياةِ، فتبدو الدنيا أكثرَ بهجةً وإشراقًا.
صدمةُ الواقعِ بعدَ الزواجِ
غيرَ أنَّ الواقعَ كثيرًا ما يأتي مختلفًا عمَّا رسمتْه الأحلامُ. فبعدَ الزواجِ يكتشفُ الزوجانِ أنَّ الحياةَ ليست مشاعرَ وكلماتٍ فقط، بل هي أيضًا مسؤولياتٌ ومتطلباتٌ يوميَّةٌ لا يمكنُ تجاهلُها.
فهناك احتياجاتُ الطعامِ والشرابِ، ومصروفاتُ المعيشةِ، والواجباتُ العائليَّةُ، والاستضافاتُ الاجتماعيَّةُ، إلى جانبِ الأعمالِ المنزليَّةِ من طبخٍ وتنظيفٍ وترتيبٍ وغيرِها. كما يجدُ الزوجُ نفسَه مطالبًا بالسعيِ والعملِ لتوفيرِ متطلباتِ الأسرةِ، وربما تشاركه الزوجةُ هذه المسؤوليةَ أيضًا.
ومع تزاحمِ الأعباءِ وتسارعِ إيقاعِ الحياةِ، يمضي الوقتُ الذي كانا يظنَّانِ أنَّه سيكونُ مخصَّصًا للتعبيرِ عن المشاعرِ وتبادلِ الكلماتِ الجميلةِ. فتخبو بعضُ الأحاسيسِ، وتذبلُ بعضُ الأغصانِ تحتَ وطأةِ الضغوطِ اليوميَّةِ، ويحلُّ الجدلُ أحيانًا محلَّ الحوارِ الهادئِ، وتطغى المطالبُ الماديَّةُ على لحظاتِ الصفاءِ التي كانا يحلمانِ بها.
الاعترافُ بالمشاعرِ… مفتاحُ النجاحِ
ومع ذلك، فإنَّ هذه الظروفَ الصعبةَ لا ينبغي أن تكونَ حاجزًا أمامَ المشاعرِ الصادقةِ أو مانعًا من التعبيرِ عنها. بل لعلَّ الاعترافَ بالمحبَّةِ وإظهارَ التقديرِ في خضمِّ هذه التحدياتِ يكونُ أكثرَ أهميةً وتأثيرًا من أيِّ وقتٍ آخرَ.
فحينَ يُحسنُ كلٌّ من الزوجينِ الاستماعَ إلى الآخرِ، ويُظهرُ اهتمامَه بمشاعرِه واحتياجاتِه، ويحرصُ على إبرازِ الجوانبِ الإيجابيَّةِ في العلاقةِ الزوجيَّةِ، تصبحُ هذه الممارساتُ كالصخرةِ الصلبةِ التي تتحطَّمُ عليها العقباتُ والمشكلاتُ.
خاتمةٌ: التوازنُ سرُّ السعادةِ الزوجيَّةِ
إنَّ الزواجَ الناجحَ لا يقومُ على الأحلامِ وحدَها، ولا على الواقعِ المادِّيِّ وحدَه، بل على التوازنِ بينهما. وعندما يدركُ الزوجانِ هذه الحقيقةَ، ويجعلانِ من المودَّةِ والرحمةِ والتفاهمِ أساسًا لحياتِهما، تصبحُ تجربتُهما أقربَ إلى تلك الأحلامِ الجميلةِ التي سبقتِ الزواجَ، وأكثرَ قدرةً على تحقيقِ السعادةِ والاستقرارِ.
فالحياةُ الزوجيَّةُ ليست قصَّةً خياليَّةً تخلو من التحدياتِ، وليست كذلك عبئًا تثقلُه المسؤولياتُ وحدَها، وإنَّما هي شراكةٌ إنسانيَّةٌ تقومُ على المشاركةِ والتفهُّمِ والاحترامِ المتبادلِ. وعندما ينجحُ الزوجانِ في الموازنةِ بين متطلباتِ الواقعِ واحتياجاتِ القلبِ، يصبحُ الزواجُ أكثرَ متانةً ودفئًا، وينظرانِ إلى تجربتِهما في النهايةِ بوصفِها تجربةً ناجحةً بكلِّ المقاييسِ.






