حين يتحول الحب إلى تعويض… خطأ فادح يستوجب إصلاحه
حين يتحول الحب إلى تعويض… خطأ فادح يستوجب إصلاحه
بقلم: أ/ هبة شاهين – الإسكندرية
ليست كل معركة تُخاض بالسلاح؛ فهناك معارك يومية تخوضها أم استيقظت ذات صباح لتجد نفسها مسؤولة وحدها عن تربية أطفالها. فمع ضغوط الحياة ونظرات المجتمع، والأهم من ذلك كله… أنها تجد نفسها في معركة مع ذاتها.
في قلب هذه الدوامة يتسلل شعور قاسٍ اسمه الذنب؛ ذنب لم تصنعه دائمًا، لكنه يدفعها إلى الاعتقاد بأنها مطالبة بتعويض أبنائها عن كل ما افتقدوه، وكأن الحب وحده لا يكفي، أو أن نجاحها كأم يُقاس بقدرتها على سد كل فراغ.
لكن علم النفس والتربية يقدمان حقيقة مختلفة؛ فالأطفال لا يحتاجون إلى حياة مثالية، بل إلى بيئة مستقرة تمنحهم الحب والوضوح والشعور بالأمان.
ومن هنا تبدأ واحدة من أكثر الأخطاء التربوية شيوعًا: تحويل التربية إلى مشروع تعويض دائم.
قد يكون غياب الأب بسبب وفاة أو طلاق أو سفر أو ظروف أخرى، ولكل أسرة حكايتها المختلفة، لكن ما يحتاجه الطفل في النهاية ليس أن يعيش بلا أي نقص، فهذا مستحيل، وإنما أن يتعلم كيف ينمو رغم ما يواجهه من ظروف.
ولهذا، فإن شراء كل ما يطلبه الطفل ليس علاجًا لمشاعره؛ فالهدايا قد تمنحه فرحة عابرة، لكنها لا تمنحه الإحساس بالاحتواء الذي يبنيه الحوار والاهتمام والوقت المشترك.
وكذلك، فإن إلغاء كلمة “لا” بدافع الشفقة قد يبدو تصرفًا حنونًا، لكنه يحرم الطفل من أهم دروس الحياة؛ فالحدود ليست عقابًا، بل لغة يشعر من خلالها الطفل أن هناك من يقوده ويحميه. والطفل الذي لا يتعلم تقبل الرفض داخل أسرته، قد يجد صعوبة في تقبله عندما يواجه المجتمع.
ومن الأخطاء التي قد تترك أثرًا عميقًا أيضًا أن يتحول تعب الأم إلى رسالة يومية يسمعها الأبناء؛ فمن الطبيعي أن تتعب، وأن تمر بلحظات ضعف، لكن تكرار عبارات مثل: “أنا ضحيت بكل شيء عشانكم” قد يجعل الطفل يحمل شعورًا بالذنب بدلًا من الشعور بالامتنان، وكأن وجوده أصبح عبئًا على أحب الناس إليه.
وفي المقابل، تغفل بعض الأمهات عن أن الذكريات الجميلة لا تحتاج إلى ميزانية كبيرة؛ جلسة ضحك، نزهة قصيرة، إعداد وجبة معًا، أو حديث هادئ قبل النوم… قد تصبح في ذاكرة الطفل أثمن من ألعاب كثيرة نسيها بعد أيام.
وهناك حقيقة تستحق أن تتوقف عندها كل أم؛ وهي أنها ليست مطالبة بأن تكون الأب والأم في الوقت نفسه. لكل دور خصوصيته، وما تستطيع الأم تقديمه بإخلاص واتزان يفوق كثيرًا محاولة استنزاف نفسها لتؤدي أدوارًا متعددة على حساب صحتها النفسية.
وطلب الدعم من العائلة أو من شخص موثوق أو من متخصص عند الحاجة ليس اعترافًا بالعجز، بل ممارسة مسؤولة تصب في مصلحة الأبناء.
إن أخطر ما يواجه الأسر التي تمر بظروف استثنائية ليس غياب شخص بعينه، وإنما أن تتحول التربية إلى حالة دائمة من الخوف أو الشعور بالذنب أو محاولة تعويض لا تنتهي.
فالطفل لا يحتاج إلى أم خارقة… بل يحتاج إلى أم تمنحه الحب دون تدليل، والحزم دون قسوة، والاحتواء دون أن تلغي شخصيتها أو تستنزف نفسها.
رسالة توعية:
إن الأم التي تربي أبناءها وحدها تستحق كل التقدير، لكنها لا تحتاج إلى أن تثبت بطولتها كل يوم. يكفي أنها تبذل ما تستطيع، وتتعلم من أخطائها، وتواصل بناء إنسان قادر على مواجهة الحياة بقيم راسخة ونفس متوازنة.
فالتربية الناجحة ليست أن نعوض أبناءنا عن كل ما فقدوه، بل أن نمنحهم من القوة ما يساعدهم على تجاوز ما فقدوه، وبناء مستقبلهم بثقة وأمل.
هل انت مستعد؟
رحلة نجاحك قرارك انت





