د. نادر الصيرفي وبيتر النجار:
«الزنا الحكمي» وهم تشريعي لا وجود له إلا في تعديلات 2008.
كتبت / هدى العيسوى
في واحدة من أقوى حلقات برنامج «قضيتي» على قناة الشمس (2)، لم يكن المشاهد أمام حوار تلفزيوني تقليدي، بل أمام محاكمة قانونية كاملة الأركان لمشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين. فقد نجح الدكتور نادر الصيرفي، بأسئلته الجريئة وإدارته الاحترافية للحوار، في دفع الأستاذ بيتر النجار، المحامي بالنقض وعضو مجلس نقابة شمال القاهرة، إلى فتح ملفات ظل كثير منها مسكوتًا عنه لعقود، لتتحول الحلقة إلى واحدة من أهم المناقشات القانونية التي شهدها هذا الملف منذ سنوات.
وأول ما سقط خلال هذه المحاكمة كان الأسطورة التي رُوج لها طويلًا بأن أسباب الطلاق الواردة في لائحة 1938 ليست أسبابًا دينية. فقد كشف الحوار أن مشروع القانون نفسه عاد فأخذ هذه الأسباب، واعتبرها أسبابًا دينية للطوائف الأرثوذكسية غير القبطية، كالروم والسريان والأرمن، لتبرز المفارقة الصادمة: كيف تكون القاعدة الواحدة دينية لدى ثلاث طوائف، ثم تفقد صفتها الدينية عندما يتعلق الأمر بلائحة 1938؟ إنه تناقض تشريعي ينسف المنطق الذي قام عليه المشروع، ويكشف ازدواجية في التكييف القانوني لا يمكن تبريرها.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل كشف الحوار أن المشروع لم يكتف بإلغاء كثير من أسباب الطلاق التي عرفها القضاء لعقود، وإنما ضيق حتى أسباب الانحلال المدني بصورة تثير الدهشة. فما كان في لائحة 1938 «تعريض الصحة للخطر» أصبح «تعريض الحياة للخطر»، وما كان «استحكام النفور» أصبح «استحالة استمرار الحياة الزوجية»، وهو تضييق يجعل الإثبات أكثر صعوبة، ويحرم كثيرًا من المتقاضين من الحماية القضائية التي وفرتها اللائحة.
ومن أقوى لحظات الحلقة، طرح الدكتور نادر الصيرفي سؤالًا هز أركان المشروع:
هل يجوز للزوج الذي هجر زوجته وأفسد الحياة الزوجية أن يعود هو نفسه فيرفع دعوى الانحلال المدني؟
وجاءت إجابة الأستاذ بيتر النجار واضحة: «ممكن طبعًا.»
فكان تعليق الصيرفي حاسمًا: «إذن لماذا تُطلق الزوجة بلا سبب؟!»
بهذا السؤال أعاد الصيرفي التذكير بإحدى أقدم قواعد العدالة، وهي أن المخطئ لا يجوز أن يستفيد من خطئه، بينما بدا المشروع – وفق ما دار في الحلقة – وكأنه يهدم هذه القاعدة المستقرة، في الوقت الذي كانت فيه لائحة 1938 تمنع من تسبب في الفرقة من الاستفادة بفعله، وتجعل الإخلال الجسيم بالواجبات الزوجية أساسًا لطلب الطلاق.
أما ملف الزنا الحكمي، فقد تعرض لأعنف انتقاد خلال الحلقة.
فقد وصف الأستاذ بيتر النجار نصوصه بأنها «بنود وهمية»، بينما أوضح الدكتور نادر الصيرفي أن الواقعة الواحدة إما أن تكون زنا، وإما أن تكون مجرد سوء سلوك، ولا يجوز اختراع منطقة رمادية بينهما.
فالزنا الذي فقد أحد أركانه لا يتحول إلى وصف قانوني جديد يسمى «الزنا الحكمي»، لأن التشريعات القديمة والمعاصرة لا تعرف هذا الاصطلاح أصلًا. فإذا لم تكتمل أركان الزنا بقيت الواقعة مجرد سوء سلوك، وسوء السلوك لا يعد – في مشروع القانون – سببًا للتطليق الديني، ولا سببًا للانحلال المدني. ومن هنا رأى المتحاوران أن هذا التكييف المبتكر لا يؤدي إلا إلى تعقيد التقاضي وإرباك المحاكم، ويُفسر تعثر كثير من الدعاوى.
ولم يتوقف النقد عند ذلك، بل امتد إلى بعض الصياغات التي أثارت استغراب الضيف والمحاور، وعلى رأسها النص الخاص بـ «قيام الزوجة بمعاشرة زوجها معاشرة غير طبيعية»، حيث أبديا سخريتهما من هذه الصياغة، معتبرين أنها تفتقر إلى الدقة التشريعية، وتثير إشكالات قانونية وعملية يصعب تصور كيفية تطبيقها.
كما تناول الحوار سبب التحريض على الزنا، مؤكدين أن التحريض في حقيقته صورة من صور سوء السلوك، وأن الهدف من النص هو منع وقوع الطرف الآخر في الزنا نتيجة هذا التحريض، وليس اعتبار التحريض ذاته زنا، بما يثير تساؤلات حول سلامة التكييف القانوني لهذا السبب.
وفي واحدة من أكثر النقاط إثارة، ناقش الدكتور نادر الصيرفي المقولة الشائعة «لا طلاق إلا لعلة الزنا»، موضحًا أن النص الإنجيلي لم يرد بهذه الصياغة، وإنما جاء: «من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني…»، وهو ما دفع الأستاذ بيتر النجار إلى التأكيد على ضرورة قراءة النص كاملًا وعدم اجتزائه عند الاستدلال به.
ولم تغب الرؤية التشريعية عن الحوار، إذ أكد الأستاذ بيتر النجار أن مشروع القانون ليس قانونًا موحدًا، بل مجرد تجميع لأفكار ولوائح قديمة، ولم يرتق إلى مستوى التشريع الذي يضع قواعد قانونية عامة ومجردة تنظم الأحوال الشخصية للمسيحيين.
فالمشرع – بحسب ما عرضه – لم يقدم فلسفة تشريعية جديدة، ولم يمارس سلطته في بناء قانون موحد، وإنما جمع نصوصًا متفرقة من اللوائح القديمة وأعاد صياغتها داخل مشروع واحد، فخرج النص أقرب إلى تجميع للوائح منه إلى قانون وطني حديث.
وأضاف النجار أن رئاسة الجمهورية لديها إرادة حقيقية لإصدار قانون يحقق للمسيحيين المواطنة الكاملة ويغلق هذا الملف التاريخي، باعتبارها فرصة ذهبية لا ينبغي إهدارها، إلا أن هذه الفرصة لم تستفد من خبرات المحامين الخبراء والمتخصصين، وهم الأكثر احتكاكًا بالواقع العملي للمحاكم.
وعلق الدكتور نادر الصيرفي بأن المحامين الخبراء والمتخصصين كانوا هم الفئة المستبعدة من الحوار المجتمعي، رغم أنهم الأقدر على كشف الثغرات التشريعية قبل أن تتحول إلى أزمات قضائية.
لقد خرجت هذه الحلقة برسالة يصعب تجاهلها: فكلما خضع مشروع القانون للنقاش العلمي المقارن، ازدادت قوة لائحة 1938، وكلما وُضعت نصوص المشروع تحت ميزان التحليل القانوني، ظهرت تناقضاته وثغراته بصورة أوضح. وإذا كانت الدولة تستهدف إصدار قانون عادل يرسخ المواطنة ويحقق الاستقرار الأسري، فإن هذا الهدف يقتضي – وفق ما انتهى إليه الحوار – مراجعة المشروع مراجعة تشريعية شاملة، حتى يكون قانونًا موحدًا حقيقيًا يقوم على قواعد عامة ومجردة، لا مجرد تجميع لأفكار ولوائح قديمة.







