مقاعد الخلود: كيف أنقذني معلم التاريخ من نسيان التاريخ؟
غدير حميدان الزبون. فلسطين
لقد كان شتاء خارجا عن المألوف في بيت لحم في ذلك العام، نهضت من نومي فبدت السماء تحمل في غيومها أسئلة مؤجلة، وكانت الريح تعبر أزقة المدينة القديمة حاملة رائحة الحجارة التي تحفظ أكثر مما تقول.
هناك، في مدينةٍ لا تزال تمشي فوق طبقات من الحكايات، كنتُ طالبة في بداية المرحلة الثانوية، أتعلم كيف أرتب دفاتري، وكيف أخفي مللي من بعض الحصص، وكيف أقاوم ذلك الشعور الغامض الذي كان يرافق سنوات المراهقة من رغبة في اكتشاف العالم، ورغبة في الهروب منه في الوقت ذاته.
في مدرسة بنات بيت لحم الثانوية تحديدا في الطابق الأرضي المطل على سرو الأمنيات، كانت الغرفة رقم (3) تشبه عالمًا صغيرًا يختصر تناقضات الحياة كلها.
على مقربة من تلك النافذة الأسطورية التي تتسلل منها خيوط الشمس برسائلها السرية من الخارج، وبجدرانها التي تحمل أصوات أجيال عبرت المكان، وبمراوحها القديمة التي تحاول تدوير الهواء كما نحاول نحن تدوير أحلامنا وسط واقع ثقيل، لطالما راقت تلك النافذة لي، وراقني حجز مقعدي الدراسي بالقرب منها وأنا أشتم الرائحة الصمغيّة لأشجار السرو الحاضنة لها.
في ذلك العمر لم يكن التاريخ صديقي، فقد كنت أراه كتابًا ضخمًا من الأسماء والأرقام والسنوات، ويكأنّ الماضي اختار أنْ يتحول إلى امتحان يجب اجتيازه دون إمعان النظر إليه.
لم أفهم آنذاك أنّ المشكلة لم تكن في التاريخ، إنما في الطريقة التي كان يصل إلينا بها، فالتاريخ حينما يُقدَّم كقائمة من التواريخ يفقد روحه، وحينما يُقدَّم كحياة بشرية يصبح سؤالًا مفتوحًا.
فجأة دخل علينا أستاذ التاريخ جميل الهلسة.
كان يحمل هيبة السنوات ودفء الإنسان بشعره الأبيض الذي بدا أرشيفا من التجارب، وقف رابضا قرب السبورة بابتسامته التي كانت تشبه أول نافذة تُفتح في غرفة مغلقة منذ زمن، لقد كان يدخل حاملًا قدرة نادرة على تحويل الورق إلى حياة.
في ذلك اليوم وضع حقيبته، ونظر إلينا مبتسمًا، ثم قال:
“بناتي، اليوم لن نقرأ التاريخ من الكتاب… اليوم سنسافر إليه”.
ضحكتُ في داخلي، فكيف يمكن لدرس عن سايكس بيكو أنْ يصبح رحلة؟ وكيف يمكن لخريطة قديمة أنْ تنبض بالحياة؟ وكيف يمكن لأوراق صفراء معتّقة أنْ تحمل أصوات أناس لم يعودوا هنا؟
لكنّ الأستاذ جميل كان يعرف ما لا نعرفه.
أطفأ الأنوار، وبدأ العرض.
في لحظة غامضة غادرنا غرفة الصف، وتحوّلت المقاعد الخشبيّة إلى جسور تعبر بنا نحو زمن آخر، حينها شعرت أنّ الجدران تنسحب إلى الخلف، وأنّ الزمن يفتح أبوابه القديمة، وأننا نُستدعى إلى التاريخ.
وجدنا أنفسنا في عام 1916.
كانت الخيام، والوجوه، واللغات المتداخلة، وحركة الناس قبل أنْ تقطع الخرائط أوصال المكان، كلها حاضرة أمامنا، وأصبحت اتفاقية سايكس بيكو سؤالًا عن الإنسان الذي يعيش تحت خطوط يرسمها آخرون.
قال الأستاذ بصوته الهادئ:
“انظرن جيدًا، فالتاريخ ليس فقط ما كُتب، إنّ التاريخ يا بناتي هو ما حدث للذين لم يجدوا من يكتب عنهم”.
كانت تلك الجملة أكبر من درس مدرسي، إي والله، لقد كانت مفتاحًا فتح بابًا ظلّ مفتوحًا في داخلي سنوات طويلة.
هناك فهمت للمرة الأولى أنّ التاريخ ليس قبرًا للماضي، فهو كائن حي يسكن الحاضر، وأنّ السؤال الأهم هو: كيف نفهم ما حدث؟ ومن يملك حقّ روايته؟ ومن بقي صوته خارج الصفحات؟
ربما لم أكن أعرف في تلك اللحظة أنّ أستاذ التاريخ لم يكن يعلمني درسًا عن اتفاقية سياسية، لقد كان يزرع في داخلي بذرة فلسفة كاملة بأنّ الإنسان يعيد قراءة التاريخ في كلّ زمن، وأنّ كلّ جيل يحمل مسؤولية جديدة تجاه الذاكرة.
لقد علّمنا أنّ التاريخ لا يجلس خلفنا، فهو يجلس معنا على المقاعد نفسها، يراقب أسئلتنا، وينتظر شجاعتنا في النظر إليه من جديد.
منذ تلك الحصة الأولى التي خرج فيها التاريخ من صفحات الكتاب ودخل إلى فضاء التجربة بدأت علاقتي به تتغير، لقد أصبح كائنًا حيًا يسير معنا، فيترك ظلاله على الحاضر، ويطالبنا دائمًا بإعادة النظر.
مع مرور السنوات أدركتُ أنّ السؤال عن التاريخ هو سؤال عن الإنسان مفاده: كيف يرى الإنسان نفسه؟ وكيف يفسر وجوده؟ وكيف يختار ما يحتفظ به في ذاكرته، وما يسمح له بالضياع؟
فالتاريخ في جوهره ليس مجرد تراكم للأحداث؛ لأنّ الحدث حين يقع ينتهي، لكنّ معناه يبقى مفتوحًا على قراءات لا تنتهي، فقد يسجل المؤرخ تاريخ معركة، وعدد المشاركين فيها، ونتيجتها، لكنّ خلف هذه الأرقام تختبئ حياة كاملة لأم تنتظر عودة ابنها، ولطفل فقد طفولته، ولامرأة تحمل خوفها وتصنع من يومياتها الصغيرة مقاومة صامتة للحزن.
من هنا يصبح التاريخ أكثر من قائمة وقائع، سيصبح محاولة لفهم التجربة الإنسانية.
ولعل هذا ما جعل ابن خلدون في مقدمته الشهيرة لا يكتفي بنقل الأخبار بقدر ما يدعو إلى تمحيصها والنظر في قوانين العمران البشري التي تقف خلفها.
لقد أدرك ابن خلدون أنّ الخبر التاريخي يجب أنْ يكون قابلًا للفحص والفهم، لأنّ بين الحدث وروايته مسافة قد تتدخل فيها الأهواء والمصالح والقدرة على الكتابة.
إنّ التاريخ لا يُزوّر فقط عندما تُكتب الأكاذيب، فهو يا سادة العصر قد يُشوَّه أيضًا عندما تُحذف الأسئلة.
فما لا يُقال أحيانًا يكون أكثر تأثيرًا مما يُقال.
لهذا فإنّ التاريخ هو مرآة تحتاج إلى تنظيف مستمر، فالمرآة التي يغطيها الغبار لا تكشف الوجه الحقيقي، والذاكرة التي تغرق في الانتقاء تفقد قدرتها على رؤية الإنسان.
وهنا يظهر الفرق بين المؤرخ الذي يجمع الوثائق، والمثقف الذي يبحث عن المعنى.
فالمؤرخ يسأل: متى وقع الحدث؟ وأين وقع؟ ومن شارك فيه؟
أما المثقف فيضيف أسئلة أخرى: لماذا وقع؟ وكيف أثر في الإنسان؟ ومن الذي غاب صوته عن الرواية؟
إنّ مهمة المثقف ليست مقتصرة على أنْ يحاكم الماضي بأدوات الحاضر فقط، ولا أنْ يعيد إنتاج الروايات الجاهزة، إنما يتوجّب عليه أنْ يفتح النوافذ المغلقة، وأنْ يمنح الضوء للأماكن التي بقيت في الظل.
لقد اعتدنا أحيانًا أنْ نتصور التاريخ بناءً مكتملًا، كأنّ الكتب القديمة تحتوي الحقيقة النهائية، لكنّ الحقيقة الإنسانية أكثر تعقيدًا من ذلك؛ فكل كتاب تاريخي هو أيضًا ابن زمنه، يحمل أسئلة عصره، ومحدودية أدواته، وزاوية نظر كاتبه.
وهذا لا يعني أنّ التاريخ وهم، فهو يعني أنّ علاقتنا به يجب أنْ تكون علاقة وعي ونقد.
فالوثيقة لا تتحدث وحدها، والصورة لا تفسر نفسها، والأرشيف لا يكفي دون عقل يسأله.
إنّ الإنسان هو الذي يمنح المادة التاريخية معناها.
ولهذا قد تكون قصيدة واحدة أحيانًا أكثر قدرة على حفظ روح عصر كامل من صفحات كثيرة؛ لأنّ القصيدة تسجل الحدث إلى جانب أنّها تحفظ نبض الإنسان داخله.
هنا أتذكر أستاذ التاريخ جميل الهلسة.
ربما لم يكن يعلم أنّ طريقته في التدريس ستبقى معي كلّ هذه السنوات، لكنه كان يدرك بالفطرة ما أدركه كبار الفلاسفة بأنّ المعرفة التي لا توقظ السؤال تتحول إلى عبء، وأنّ التعليم الحقيقي يفتح في الذاكرة مساحات للتأمل قبل أنْ يملأها بالمعلومات.
لقد جعلنا نرى أنّ سايكس بيكو لحظة تكشف علاقة الإنسان بالخريطة، وعلاقة القوة بالذاكرة، وعلاقة الحاضر بالماضي.
فالخرائط تحمل خلف خطوطها حكايات بشرية مهما بدت ثابتة، والحدود لها تاريخ من الألم والأمل مهما بدت طبيعية، والأوطان ذاكرة تسكن القلوب قبل الأوراق.
إنّ السؤال الذي يواجهنا اليوم هو كيف نمنع حاضرنا من أنْ يتحول إلى تاريخ مشوه في المستقبل؟
فنحن نعيش عصرًا غير مسبوق، عصرًا يمكن فيه لصورة واحدة أنْ تنتشر في العالم خلال دقائق، ويمكن لخبر غير صحيح أنْ يتحول إلى “حقيقة” في وعي الملايين بسبب التكرار.
لقد أصبح كل إنسان بطريقة أو بأخرى مشاركًا في صناعة الذاكرة، فالكلمة التي نكتبها اليوم قد تصبح وثيقة غدًا، والصورة التي ننشرها قد تصبح شاهدًا لدى أجيال لم تعش زمننا.
ومن هنا تتضاعف مسؤولية المثقف؛ لأنه يحرس الماضي، ويحرس المستقبل أيضًا.
إنه لا يكتفي بالسؤال: ماذا حدث؟ فهو يسأل: كيف سيُقرأ ما يحدث الآن بعد خمسين سنة؟
ومن سيكتب رواية هذا الزمن؟ وهل سنترك المستقبل يرث ضجيج المعلومات، أم سنمنحه ذاكرة واعية قادرة على التمييز؟
ربما كان التاريخ بحاجة دائمًا إلى الأدب بقدر حاجة الأدب إلى التاريخ؛ لأنّ الإنسان يعيش الأحداث كمشاعر وصور وارتجافات وأسئلة، فالوثيقة قد تخبرنا أنّ مدينةً ما سقطت في تاريخ معين، لكنها لا تخبرنا دائمًا عن ارتعاشة الأم وهي تضم مفتاح بيتها، أو عن نظرة الطفل الذي اكتشف للمرة الأولى أنّ المكان الذي ولد فيه يمكن أنْ يصبح بعيدًا عنه.
هنا يأتي الأدب ليملأ الفراغ الإنساني الذي تتركه الأرقام، فالتاريخ يجيب غالبًا عن سؤال: ماذا حدث؟ أما الأدب فيقترب من سؤال أكثر عمقًا وهو كيف عاش الإنسان ما حدث؟ وهذا الفرق هو المسافة بين المعلومة والوعي.
فحين نقرأ رواية عظيمة، أو قصيدة صادقة نشعر أنّ الماضي يمدّ يده إلينا، وأنّ الإنسان الذي عاش قبلنا لا يزال قادرًا على الحديث معنا من خلال الكلمات.
إنّ الأدب يمنح التاريخ قلبًا، ولعل هذا ما جعل الشعراء الكبار حراسًا للذاكرة الإنسانية، فالشاعر يحمل حساسية خاصة تجاه ما يهدد الإنسان من النسيان.
ففي تجربة محمود درويش مثلًا كان الوطن ذاكرة ولغة وصورة وحلمًا وروحًا تسكن الإنسان ويسكنها الإنسان، فالقصيدة عنده كانت طريقة أخرى لمواجهة التاريخ.
إنّ الشاعر حينما يقول “أنا من هناك” يفتح بابًا على أسئلة الهوية والاقتلاع والانتماء والبحث عن الذات، وهنا يصبح الشعر نوعًا من إعادة كتابة التاريخ من الداخل، أي من داخل الوجدان الإنساني.
لقد أدركتُ لاحقًا أنّ أستاذ التاريخ جميل الهلسة الذي جعلنا نعيش لحظة سايكس بيكو داخل الصف كان يمارس فعلًا قريبًا من فعل الأدب، لقد كان يعيد تحويل التاريخ من مادة باردة إلى مشهد نابض، فيجعلنا نرى الإنسان الذي يقف خلف الاتفاقية، وهذا هو سرّ المعلم الحقيقي الذي يجعلك تدخل إلى المعرفة وتصبح جزءًا من أسئلتها.
لقد كان الصف يومها مسرحًا صغيرًا، وكان التاريخ هو النص، وكنا نحن الجمهور والممثلين في الوقت ذاته، ربما لهذا بقي ذلك المشهد في ذاكرتي أكثر من عشرات الصفحات التي قرأتها لاحقًا.
فبعض اللحظات التعليمية تتحول إلى ذاكرة، وبعض المعلمين يتحولون إلى جزء من تاريخنا الشخصي.
فإذا كان التاريخ ذاكرة الجماعة فإنّ المثقف هو أحد حراس هذه الذاكرة، لكنّ حراسة الذاكرة لا تعني تجميدها، ولا تحويلها إلى تمثال مقدس لا يُمسّ، إنّ حراسة الذاكرة هو إبقاؤها حية وقادرة على الحوار، فالمثقف الحقيقي لا يخاف من الأسئلة، لأنّ السؤال هو طريق الوصول إلى الحقيقة.
إنّ أخطر ما يمكن أنْ يحدث لأي مجتمع هو أنْ تتحول ذاكرته إلى مجموعة من الشعارات التي لا تسمح بالتفكير، فالذاكرة التي لا تُراجع قد تصبح عبئًا، والتاريخ الذي لا يُقرأ نقديًا قد يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الأخطاء نفسها.
ومن هنا فإنّ مسؤولية المثقف ليست سهلة؛ فهو يقف بين احترام الماضي وضرورة مساءلته، وبين حفظ الذاكرة وتنقيتها، وبين الوفاء للتاريخ ورفض تحويله إلى قيد يمنع المستقبل.
إنه يشبه من ينظف نافذة قديمة، لا يريد إزالة النافذة، فكلّ ما يريده هو أنْ يعيد إليها قدرتها على استقبال الضوء.
لقد أصبحت هذه المهمة أكثر إلحاحًا في عالم اليوم، فنحن نعيش زمنًا تتكاثر فيه الروايات بسرعة تفوق قدرة الإنسان على التحقق، ولم تعد صناعة الأكاذيب تحتاج إلى مؤسسات ضخمة، فقد تكفي صورة مبتورة، أو جملة منزوعة من سياقها، أو قصة مصنوعة بعناية لتجد طريقها إلى آلاف العقول.
والسؤال الذي سيواجه مؤرخي المستقبل هو كيف نميز بين ما حدث فعلًا وما صُنع ليبدو كأنه حدث؟
لقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش مسؤولية تاريخية جديدة، فهو يستهلك المعلومات، ويشارك في إنتاجها، فكلّ منشور قد يصبح أثرًا، وكلّ صورة قد تصبح شهادة، والصمت قد يصبح جزءًا من الرواية، ولهذا فإنّ الثقافة أصبحت ضرورة لحماية الحقيقة.
إنّ تطهير التاريخ يكمن في مواجهته، كما تكمن إعادة رسم الماضي في تحريره من التشويه، فالتاريخ الناضج هو الذي يستطيع أنْ يحمل تعقيداته، وأنْ يعترف بتعدد الأصوات، وأنْ يرى الإنسان قبل الشعارات.
ربما لهذا بقيت تلك الفتاة التي جلست في غرفة الصف رقم (3) تحمل سؤالها حتى اليوم.
وكلما تقدمت بنا السنوات اكتشفنا أنّ كثيرًا من المعارف التي نظن أننا ندرسها ليست سوى رحلة في تاريخ تلك المعارف نفسها، فنحن نقرأ تاريخ الأدب، ونمر عبر خرائط الفلاسفة وأسئلتهم، ونقترب من علم النفس والاجتماع من خلال النظريات التي تركها السابقون.
وهنا يظهر سؤال عميق: فهل نحن ندرس العلوم ذاتها، أم ندرس كيف فكر الإنسان في هذه العلوم عبر الزمن؟
ربما لا يكون الفرق بين السؤالين كبيرًا، لكنه يكشف شيئًا مهمًا بأنّ المعرفة باتت حوارًا مستمرًا بين الأجيال.
فالعلم الذي لا يراجع نفسه يتحول إلى عقيدة، والفكر الذي يخاف من السؤال يفقد قدرته على الحياة.
إنّ أعظم ما يمنحه التعليم للإنسان هو القدرة على إعادة النظر في المعلومات، فالمتعلم الحقيقي ليس مَن يحفظ ما قيل، إنما مَن يعرف لماذا قيل، وفي أي سياق قيل، وكيف يمكن أنْ يضيف إليه.
وهنا أتذكر أستاذ التاريخ جميل الهلسة، فقد كان سابقًا لسؤالنا، فلم يكن يريد منا أنْ نكون خزائن لحفظ التواريخ، وكلّ ما أراده أنْ نكون عقولًا قادرة على مساءلتها.
لقد أدرك بوعيه وحدسه أنّ الطالب الذي يحفظ تاريخًا دون أنْ يفهمه قد ينساه بعد الامتحان، أما الطالب الذي يعيش سؤال التاريخ فإنه يحمل أثره طوال حياته.
هناك أشخاص لا تظهر أسماؤهم في صفحات التاريخ، لكنهم يصنعون تاريخ الآخرين، وقد لا نجد اسم المعلم في كتاب عن الأحداث الكبرى، لكنه قد يكون حاضرًا في مئات الأرواح التي غيّر اتجاهها.
فالتاريخ يصنعه أولئك الذين يزرعون فكرة صغيرة في عقل إنسان؟، فكلمة من معلم، وسؤال من أستاذ، وطريقة مختلفة في شرح درس، قد تفتح طريقًا فكريًا يستمر لعقود.
لقد كان جميل الهلسة واحدًا من أولئك الذين لا يكتفون بتعليم المادة بقدر ما يغيرون علاقتنا بها.
كان يعرف أنّ التاريخ إذا بقي خارج الإنسان يصبح حملًا ثقيلًا، أما إذا دخل إليه يصبح جزءًا من تكوينه، ولذلك بقي درس سايكس بيكو في ذاكرتي لحظة اكتشاف، لحظة فهمت فيها أنّ وراء كلّ خريطة قصة، ووراء كلّ قصة إنسان، ووراء كلّ إنسان حق في أنْ يُسمع صوته.
كيف نكتب تاريخ المستقبل؟
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث، وتتغير فيه طرق حفظ الذاكرة إذْ دخلت الصورة الرقمية، والمنصات الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، وكلّ أدوات العصر الجديد.
وهذا يجعل مسؤولية المثقف أكثر اتساعًا، فالمثقف اليوم يقف أمام سيل هائل من المعلومات التي تحتاج إلى عقل نقدي.
إنه مسؤول عن حماية المعنى من الضياع وسط كثرة الأصوات، ففي زمن يمكن فيه صناعة الوهم بسرعة كبيرة يصبح البحث عن الحقيقة فعلًا ثقافيًا وأخلاقيًا.
وبعد سنوات طويلة عندما عدت بذاكرتي إلى تلك الغرفة الصغيرة في مدرسة بنات بيت لحم الثانوية اكتشفت أنني كنت أبحث عن اللحظة التي تغيرت فيها علاقتي بالمعرفة.
تذكرت الفتاة التي كانت تضجر من درس التاريخ، وتظنّ أنّ الماضي مجموعة أوراق صفراء لا علاقة لها بالحاضر، وتذكرت المعلم الذي فتح نافذة أخرى، وجعلني أرى أنّ التاريخ يسير معنا.
لقد فهمت أنّ التاريخ حديقة للأسئلة، وأنّ الأمم تفقد ذاكرتها عندما تتوقف عن طرح الأسئلة حول ما حدث.
فالماضي الذي لا نسأله يعيد نفسه بأشكال جديدة، والذاكرة التي لا نحميها تصبح عرضة للسرقة، والحقيقة التي لا يدافع عنها الوعي قد تضيع وسط ضجيج الروايات.
في ذلك اليوم كتبت رسالة إلى نفسي بعد ثلاثين عامًا: “عزيزتي أنا…
إذا نسيتِ يومًا كيف بدأت الحكاية، فتذكري تلك الغرفة الصغيرة، وتلك النافذة التي كانت تحمل الضوء، وتذكري المعلم الذي جعل التاريخ يمشي بين المقاعد.
تذكري أنّ أجمل ما يمنحه لنا التاريخ هو القدرة على أنْ نسأل، وأنّ الإنسان يصبح ابن الماضي حينما يفهمه ويعيد بناء علاقته به.
كوني دائمًا تلك الفتاة التي دخلت درس التاريخ وهي تريد الهروب منه، وخرجت منه وهي تحمل العالم كله في سؤال”.
هكذا بقي أستاذ التاريخ جميل الهلسة جالسًا في مقاعد الخلود؛ لأنه صنع حدثًا صغيرًا في قلب طالبة، وتحول ذلك الحدث الصغير إلى ذاكرة لا تشيخ.
فالتاريخ الحقيقي هو ما يتركه الأحياء في أرواح بعضهم، وربما تكون مهمة المثقف الكبرى في النهاية هي أنْ يحفظ هذا الأثر، وأنْ يجعل الإنسان حاضرًا في التاريخ، لا مجرد رقم داخله.
فحين يصبح التاريخ إنسانيًا يصبح وعدًا حقيقيا بالمستقبل.
أعترف لكم أنني بعد كلّ هذه السنوات عندما أعود بذاكرتي إلى ذلك الشتاء البعيد في بيت لحم، لا أستطيع أنْ أحدد إنْ كنت أنا التي غادرت تلك الغرفة الصغيرة في الطابق الأرضي من مدرسة بنات بيت لحم الثانوية، أم أنّ تلك الغرفة هي التي بقيت تسكنني حتى اليوم.
ثمة أماكن لا تنتهي مهمتها وقتما نغادرها، وثمة لحظات تبدو عابرة في وقتها، ثم نكتشف بعد سنوات أنها كانت تخبئ لنا بداية الطريق.
ما زلت أرى النافذة القديمة، وخيوط الشمس وهي تتسلل من بين قضبانها كأنها أصابع نور تحاول أنْ توقظ شيئًا نائمًا فينا، وما زلت أسمع صوت المراوح المتعبة، وحفيف الدفاتر، وضحكات الطالبات اللواتي كنّ يعتقدن أنّ أجمل ما في الحصة هو نهايتها. وما زلت أرى أستاذ التاريخ جميل الهلسة يدخل من الباب نفسه، يحمل حقيبته بيد، ويحمل زمنًا كاملًا باليد الأخرى.
في ذلك اليوم لم نكن نعرف أننا نجلس على مقاعد ستحتفظ بأسئلتنا أكثر مما تحتفظ بأجسادنا.
كنا نظن أننا ننتظر نهاية الحصة، لكنه كان يعلم أننا ننتظر بداية وعي جديد.
ربما تختفي كثير من التفاصيل من ذاكرة الإنسان مع مرور الزمن، وقد ننسى أسماء الكتب التي قرأناها، وأرقام الصفحات التي حفظناها، والتواريخ التي كتبناها في دفاتر الامتحانات، لكنّ بعض اللحظات لا تغادرنا لأنها عبرت الروح.
وهكذا بقي درس التاريخ ذلك حاضرًا في داخلي درسا عن الإنسان الذي يقف دائمًا خلف كلّ تاريخ.
ففي اللحظة التي رأيت فيها الخرائط تُرسم فهمت أنّ الخطوط التي تبدو بسيطة على الورق قد تخفي خلفها أعمارًا كاملة من الحكايات، فالتاريخ يصنعه أولئك الذين عاشوا آثار قرارات لم يشاركوا في صنعها، أولئك الذين حملوا أسماءهم وبيوتهم وذكرياتهم في قلوبهم حين تغيرت الأشياء من حولهم.
اليوم وأنا أنظر إلى عالم يمتلئ بالروايات المتصارعة أشعر أنّ سؤال التاريخ أصبح أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
فمن يملك القدرة على رواية الماضي؟
ومن يحمي الذاكرة من أنْ تتحول إلى ساحة للضجيج؟
ومن ينقذ الإنسان العادي من أنْ يصبح مجرد هامش في كتاب كتبه الآخرون؟
هنا تظهر مسؤولية المثقف، ذلك الذي يفتح النوافذ في بيت قديم حتى يدخل إليه الهواء والضوء.
المثقف الحقيقي لا يخشى الغبار الذي يغطي الذاكرة، لأنه يعرف أنّ التنظيف ليس هدمًا، وأنّ السؤال ليس خيانة، وأنّ مراجعة الماضي باتت احترامًا عميقًا لحقيقته.
إنّ التاريخ الذي يخاف من السؤال هو تاريخ هَشّ، أما التاريخ الذي يقبل الحوار فهو تاريخ حي.
وأتساءل أحيانًا:
لو عدت اليوم إلى تلك الغرفة رقم (3)، وجلست على المقعد نفسه، هل سأجد الفتاة التي كنتها؟
ربما سأجدها هناك ما زالت ترسم شيئًا في دفترها، وما زالت تنظر إلى عقارب الساعة منتظرة نهاية الحصة.
لكنني سأقترب منها هذه المرة وأقول لها:
لا تستعجلي الرحيل.
فأنت لا تعرفين أنّ هذه الدقائق التي تريدين الهروب منها ستصبح يومًا وطنًا من الذكريات.
لا تعرفين أنّ المعلم الذي تظنين أنه يشرح درسًا عاديًا سيترك في داخلك سؤالًا سيكبر معك.
لا تعرفين أنّ التاريخ الذي كنت ترينه عبئًا سيصبح نافذتك لفهم العالم.
وربما لو التقيت أستاذي جميل الهلسة اليوم، لقلت له:
يا أستاذي القدير، لقد علّمتنا كيف نمنع التاريخ من أنْ يموت، لقد بتّ أفهم الآن معنى “مقاعد الخلود”، لهذا ستبقى تلك المقاعد في ذاكرتي جالسة على عرش الزمن، فالتاريخ يا أستاذي هو ما نختار أنْ نتذكره، وما نملك الشجاعة بأنْ نسأل عنه، وما نتركه للأجيال القادمة كي تعرف أننا مررنا من هنا، وأننا حاولنا أنْ نحفظ للإنسان مكانه في كتاب الزمن.







