صدى مصرمقالاتمنوعات

نام العقل… فاستيقظت الهزيمة،

وخرج جيلٌ يُسكره الوهم قبل أن يُسكره اللهو.

نام العقل… فاستيقظت الهزيمة،

وخرج جيلٌ يُسكره الوهم قبل أن يُسكره اللهو.

 

 كتب/ محمد رمضان أمين

إلى متى نبقى أمةً تستهلك ولا تُنتج، وتصفق ولا تُبدع، وتبكي على الأطلال ثم تعود لتبني فوقها أوهامًا جديدة؟

إلى متى نرفع الشعارات، ونخفض الهمم؟ نكثر من الخطب، ونُقلُّ من العمل؟ نملأ الأسماع ضجيجًا، ونترك العقول خواءً؟

أيُّ مفارقةٍ هذه التي جعلت الدم يسيل في المشرق، والرقص يعلو في المغرب؟! هنا طفلٌ يبحث بين الركام عن أمه، وهناك شابٌّ يبحث بين الأضواء عن شهرةٍ زائفة. هنا وطنٌ يُباع شبرًا شبرًا، وهناك وقتٌ يُباع ساعةً ساعةً في أسواق اللهو والعبث.

لقد أصابنا من البلاء ما هو أخطر من الفقر، وأشد من الحصار، وأقسى من الهزيمة؛ أصابنا ضمور الإرادة، وكساد الفكرة، وشيخوخة الوعي. فلا نحن أحيينا تراثًا بفهم، ولا صنعنا مستقبلًا بعلم؛ عالقون بين ماضٍ نُقدِّسه بلا قراءة، وحاضرٍ نستهلكه بلا بصيرة، ومستقبلٍ نخشاه قبل أن نبلغه.

ما أكثر ما نقتني من أدوات الحضارة، وما أقل ما نمتلك من روحها! نستورد الآلة ولا نستورد منهجها، نشتري الهاتف ولا نصنع شريحته، نقود السيارة ولا نقود الفكرة. فصرنا نملك الأشياء، ولا تملكنا القيم التي صنعت تلك الأشياء.

أليس عجيبًا أن تكون أرضنا ولودًا بالعقول، ثم تكون أوطانُ غيرنا هي المرضعة لثمارها؟ يهاجر العالم، ويغادر الطبيب، ويرتحل المهندس، فإذا أشرق نجم أحدهم قلنا: هذا ابنُ أمتنا! نعم، هو ابنها نسبًا، ولكنه صار ابنَ غيرها علمًا وفرصةً وإنجازًا.

ثم نسأل في براءةٍ مصطنعة: لماذا تأخرنا؟ تأخرنا لأننا اختلفنا حيث يجب أن نتفق، وسكتنا حيث يجب أن نتكلم، وصفقنا حيث يجب أن نحاسب. جعلنا من التافه قضية، ومن القضية ترفًا، ومن الترف ثقافة، حتى اختلط في أعيننا الغث بالسمين، والسراب بالماء، والدخان بالنار.

إن الأمم لا تُبنى بالتصفيق، بل بالتصنيف؛ لا تُقاس بعدد المهرجانات، بل بعدد المختبرات؛ ولا تعلو بمنابر الصخب، بل بمنارات العلم. فمن جعل العقل إمامَه بلغ، ومن جعل الهوى زمامَه ضل.

شباب .. إن بين أيديكم أمةً تنتظر من يوقظها، لا من يُنوِّمها، ومن يبنيها، لا من يبكيها، ومن يكتب تاريخها بالحبر والعرق، لا بالدموع والحسرة.

أما آن لهذا الليل أن يُسلِّم رايته للفجر؟ أما آن للعقل أن يخرج من منفاه، وللعلم أن يعود إلى عرشه، وللإنسان العربي أن يؤمن بأن الأمم لا تُورَّث، وإنما تُصنع؟

فإلى متى… نظل نسأل: إلى متى؟ ونحن وحدنا نملك جواب السؤال، ومفتاح الباب، وأول الطريق وآخره.

زر الذهاب إلى الأعلى