صدى مصرمقالاتمنوعات

مصالحة النفس أعظم انتصار لا يراه أحد..

 

مصالحة النفس أعظم انتصار لا يراه أحد..

 

كتب / أحمد أمين عثمان

ليست أعظم الإنتصارات تلك التي يصفق لها الناس وإنما تلك التي تحدث في صمت حين ينتصر الإنسان على إنكساره ومواجهة نفسه ليصافح ذاته بعد طول خصام ويعيد بناء روحه حجرا فوق حجر حتى تصبح وطنا آمنا يسكنه قبل أن يسكن أي مكان آخر.

إن أولى الأولويات في الحياة ليست أن تكسب العالم بل أن لا تخسر نفسك في الطريق إليه.

فالإنسان الذي يهمل روحه ويؤجل سعادته ويؤخر سلامه النفسي يشبه من يبني القصور فوق أرض تتآكل من تحتها.

وما قيمة الإنجازات إذا كان القلب خرابا وما جدوى الوصول إذا كانت الروح قد فقدت الطريق إلى نفسها؟

صالح نفسك فهي الرفيق الوحيد الذي لن يفارقك حتى آخر العمر دللها بالأمل وأكرمها بالعفو وإمنحها حقها في الحلم ولا تجعلها سجينة ذكريات موجعة أو رهينة أخطاء مضت وإنقضت.

إفتح لها نوافذ الضوء كلما أظلمت الأيام وإزرع في أعماقها يقينا بأن بعد كل شتاء ربيعا وبعد كل أنكسار ميلادا جديدا.

أبحر في محيط ذاتك ففي داخلك عوالم لم تطأها قدماك بعد وحدائق لم تكتشف عبيرها وطاقات تنتظر لحظة الإيمان بها لتفيض نورا وإبداعا.

إن الإنسان يحمل في أعماقه كنوزا أعظم مما يبحث عنه في العالم كله لكنه كثيرا ما يضيع عمره يفتش خارج نفسه عن مفاتيح أبوابها.

إزرع في قلبك بذرة الحياة وتعهدها بالعلم والعمل والصبر والإيمان فإن البذور الصغيرة لا تلبث أن تصبح غابات وارفة إذا وجدت أرضا طيبة وساقيا مخلصا.

وهكذا تصنع الإنجازات لا تولد فجأة وإنما تنمو بصمت حتى يأتي يوم تقف فيه أمام ثمرة سنواتك فتبتسم لأنك لم تستسلم يوما لعاصفة ولم تنحن أمام يأس.

وأحرس سلامك النفسي كما يحرس الحكماء كنوزهم فهناك معارك لا تستحق أن تخاض وأحاديث لا تستحق أن تستهلك أعصابك وأشخاص لا يجيدون إلا سرقة الضوء من القلوب.

ليس الضعيف من ينسحب من الضجيج بل الحكيم من يعرف أن راحة قلبه أثمن من كل إنتصار زائف.

وأعظم هدية تهديها لنفسك أن تستيقظ كل صباح مفعما بالحماس لأن الحماس ليس مجرد شعور جميل بل هو القوة الخفية التي تحول الأحلام إلى واقع والعقبات إلى درجات والهزائم الصغيرة إلى دروس تمهد لإنتصارات كبيرة.

فمن فقد حماسه فقد البوصلة التي تقوده إلى غايته.

ثم كافئ نفسك بأن تعيش كما كنت طفلا نقيا بسيطا مدهوشا بجمال الحياة ولا يرهقه تفسير كل شيء ولا يثقله حمل ما فات.

فالطفولة ليست مرحلة عمرية بل حالة روح ومن إستطاع أن يحتفظ بعفويته وصفاء قلبه فقد إمتلك سرا من أسرار السعادة التي يعجز الزمن عن سرقتها.

عش كل يوم وكأنه بداية الخليقة وكل صباح وكأنه رسالة جديدة من السماء تقول لك ما زالت الفرصة قائمة وما زال الباب مفتوحا وما دام في الصدر نفس ففي العمر متسع لإصلاح الخطأ وإستكمال الحلم ومصالحة النفس.

وحين يهبط المساء فأغمض عينيك بقلب مطمئن وإحمد الله على ما أعطى وما منع وعلى ما قرب وما أخر فكل أقداره رحمة وإن خفيت حكمتها.

إرضى بما قسمه الله لك واسع فيما ينفعك وإترك ما عجزت عنه لخالق الأسباب فهو الرزاق الكريم والمدبر الحكيم وقد كتب المقادير بعلم وعدل ورحمة فما كان لك سيأتيك ولو إجتمع الكون على منعه وما لم يكن لك فلن تناله ولو سعى إليه أهل الأرض جميعا.

إن الحياة ليست سباقا نحو النهاية وإنما رحلة لا يقاس نجاحها بطولها بل بعمق أثرها ولا بكثرة ما جمع الإنسان بل بمقدار ما عمر قلبه بالمحبة وروحه بالسكينة وأيامه بالمعنى.

فاجعل من قلبك جنة ومن فكرك نورا ومن روحك وطنا لا تدخله الكراهية ولا يسكنه اليأس ولا تعبره الضغائن.

وإنشر المحبة حيثما كنت وإزرع السلام في كل قلب تلقاه فإن الكلمة الطيبة صدقة والإبتسامة حياة والرحمة لغة لا تحتاج إلى ترجمان.

سيكتشف الإنسان يوما أن أعظم إنجاز حققه لم يكن منصبا ناله ولا ثروة جمعها ولا شهرة بلغها وإنما تلك اللحظة التي تصالح فيها مع نفسه فعاش مطمئن القلب ثابت الروح راضيا بما قسمه له ربه محبا لعباده مؤمنا بأن أجمل الحياة تبدأ من الداخل وأن من عمر صدره بالخير أزهرت دنياه كلها نورا وسلاما.

زر الذهاب إلى الأعلى