غرور بعض المحافظين في التعامل مع المعلمين..
حين ينسى المسؤول أن المعلم شريك في بناء الوطن
بقلم/ ممدوح عكاشة
ليس كل مسؤول مغرورًا، وليس كل محافظ يتعامل مع المعلمين بتعالٍ، فهناك مسؤولون يدركون قيمة المعلم ويحترمونه ويستمعون إلى شكواه. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المنصب من مسؤولية لخدمة الناس إلى شعور بالتفوق عليهم، وعندما يجد المعلم نفسه أمام مسؤول لا يرى فيه شريكًا في بناء الوطن، وإنما مجرد موظف عليه أن يسمع ويطيع.
المعلم ليس خصمًا للمحافظ، وليس طالبًا للشفقة أو المجاملة، وإنما هو مواطن يؤدي رسالة من أهم الرسائل في المجتمع. وإذا كان المحافظ مسؤولًا عن إدارة شؤون المحافظة، فإن المعلم مسؤول عن صناعة العقول التي ستدير هذه المحافظة وهذا الوطن في المستقبل.
المعلم لا يريد امتيازات.. وإنما يريد الاحترام
كثير من المعلمين لا يطلبون المستحيل؛ يريدون أن تُسمع شكواهم، وأن تُدرس مطالبهم بموضوعية، وأن يشعروا بأن المسؤول الذي يجلس خلف مكتبه هو في النهاية موظف عام لخدمة المواطنين وليس صاحب سلطة مطلقة عليهم.
وقد يكون أشد ما يؤلم المعلم ليس القرار نفسه، وإنما الطريقة التي يصدر بها القرار.
فأن ترفض طلبًا لمعلم فهذا حق إداري إذا كان الرفض قائمًا على القانون والمصلحة العامة، لكن أن يشعر المعلم أن مجرد وصول صوته إلى المسؤول أمر غير مرغوب فيه، أو أن التعامل معه يكون بمنطق: “أنت مين علشان تتكلم؟” فهنا تتحول الإدارة من ممارسة للسلطة إلى ممارسة للهيبة.
المنصب لا يصنع قيمة الإنسان
المحافظ مهما علا منصبه سيظل موظفًا عامًا، وكذلك الوزير ومدير المديرية ومدير الإدارة ومدير المدرسة والمعلم.
المناصب تتغير، والأشخاص يغادرون مواقعهم، لكن السيرة الطيبة واحترام الناس هما ما يبقى.
ولذلك فإن المسؤول الذكي لا يخاف من المعلم الذي ينتقد أو يطالب بحقه، بل يستمع إليه؛ لأن النقد الصادق قد يكشف مشكلة لا تصل إلى مكتبه عبر التقارير الرسمية.
أما المسؤول الذي يحيط نفسه بمن يقولون له دائمًا “نعم”، فقد يعيش فترة طويلة وهو يظن أن كل شيء على ما يرام، بينما تكون المشكلات تتراكم في الشارع وبين الموظفين.
لا تجعلوا المعلم يخاف من المسؤول
التعليم لا يمكن أن ينهض في بيئة يسودها الخوف.
كيف نطلب من المعلم أن يعلم أبناءنا الشجاعة، والانتماء، والقدرة على التعبير عن الرأي، واحترام القانون، ثم نجعله هو نفسه يخشى أن يعبر عن شكوى أو يطالب بحقه؟
المعلم الذي يشعر أن صوته مسموع سيكون أكثر قدرة على العطاء.
أما المعلم الذي يشعر أن الاعتراض على قرار إداري قد يجلب عليه المشكلات، وأن المطالبة بحقه قد تُفسر على أنها تمرد، فسوف يختار الصمت، والصمت في المؤسسات ليس دائمًا علامة على الرضا؛ أحيانًا يكون علامة على الخوف.
المحافظ الناجح هو الذي يقترب من الناس
ليس المطلوب من المحافظ أن يوافق على كل طلب، ولا أن يستجيب لكل شكوى، فهذا أمر غير منطقي.
لكن المطلوب أن يسمع.
أن يجلس مع المعلمين.
أن يلتقي بهم بعيدًا عن المظاهر الرسمية والحواجز.
أن يعرف مشاكلهم الحقيقية، لا المشاكل التي تصل إليه في الأوراق فقط.
أن يدرك أن وراء كل شكوى معلمًا لديه أسرة والتزامات وحياة كاملة، وأن القرار الإداري قد يؤثر في مستقبله ومستقبل أسرته.
السلطة الحقيقية ليست أن تجعل الناس يخافون منك، وإنما أن تجعلهم يحترمونك حتى عندما يختلفون معك.
رسالة إلى كل مسؤول
يا سيادة المحافظ..
تذكر أن الكرسي الذي تجلس عليه ليس ملكًا لأحد، وأن المنصب مهما طال عمره له نهاية.
غدًا قد تترك موقعك، وقد يأتي بعدك مسؤول آخر، لكن الناس ستظل تتذكر كيف تعاملت معهم.
ستتذكر المعلمة التي دخلت مكتبك وهي تحمل شكوى، هل خرجت وهي تشعر بأنها إنسانة لها كرامة؟ أم خرجت وهي تشعر بأنها لا قيمة لها؟
وسيتذكر المعلم الذي طرق بابك، هل وجد مسؤولًا يسمع ويشرح ويبرر قراره، أم وجد بابًا مغلقًا وحاجزًا بين المواطن والمسؤول؟
احترام المعلم ليس مجاملة للمعلمين، وإنما احترام لمهنة تصنع مستقبل الوطن.
فالمنصب قد يمنح صاحبه سلطة مؤقتة، لكن الأخلاق وحدها تمنحه مكانة دائمة في قلوب الناس.
ومن هنا يجب أن نعيد تعريف العلاقة بين المسؤول والمعلم:
ليست علاقة حاكم بمحكوم، ولا صاحب سلطة بموظف ضعيف.
إنها علاقة مسؤول بمواطن، وشريك بشريك، وخادم عام بأحد أصحاب الرسالة الوطنية.
وإذا فهم كل مسؤول هذه الحقيقة، فلن نحتاج إلى الحديث عن غرور المحافظين، لأن من يعرف أن السلطة أمانة، لا يمكن أن يتعامل مع أصحابها وكأنهم ملك له.
فالكرسي يرفع صاحبه فوق الأرض، لكنه لا يرفعه فوق الناس.
غرور بعض المحافظين في التعامل مع المعلمين.. حين ينسى المسؤول أن المعلم شريك في بناء الوطن







