صابر الرباعي… حين يلتقي المجد الفني بالتواضع الإنساني
هنا نابل. بقلم/ المعز غَنِـي
هناك فنانون يعتلون المسارح، وهناك فنانون يعتلون الذاكرة… وهناك قامات فنية لا تحتاج إلى تقديم، لأن أسماءها أصبحت جزءًا من وجدان الناس وذاكرة الأغنية العربية.
ومن نابل، مدينة الفن والجمال والذوق، كان لي لقاء خاص مع قامة فنية تونسية استثنائية بكل المقاييس، مع الفنان القدير صابر الرباعي، أمير الغناء العربي، وذلك في إطار فعاليات الدورة الثامنة والثلاثين لمهرجان نابل الدولي.
نابل تستعد مجددًا لاستقبال عشاق الطرب الأصيل، في سهرة سيكون عنوانها الكبير صابر الرباعي، وللسنة الثانية على التوالي يتجدد الموعد مع هذا الصوت التونسي الذي تجاوز حدود الوطن، وحمل الأغنية التونسية إلى أوسع الفضاءات العربية.
صابر الرباعي… صوت لا يحتاج إلى ضجيج
حين نتحدث عن صابر الرباعي، فنحن لا نتحدث فقط عن مطرب يمتلك حنجرة استثنائية، بل عن فنان صنع لنفسه مكانة خاصة في المشهد الغنائي العربي، بالموهبة والثقافة والاجتهاد والقدرة على المحافظة على أصالة الطرب، دون أن يغلق نوافذه أمام التجديد.
صابر ليس مجرد صوت جميل.
إنه تجربة فنية متكاملة، يعرف كيف يصنع من الكلمة إحساسًا، ومن اللحن حالة، ومن المسرح مساحة للقاء الحقيقي مع الجمهور.
ولذلك، فإن عودته إلى ركح مسرح الهواء الطلق بنابل للسنة الثانية على التوالي ليست مجرد عودة فنان إلى مهرجان، وإنما هي تجديد لعلاقة خاصة بين فنان كبير وجمهور يعرف قيمة الفن الحقيقي.
لكن اللقاء الأجمل كان خارج الأضواء…
بعيدًا عن المسرح، وبعيدًا عن الأضواء والتصفيق وعدسات المصورين، كان لي شرف اللقاء بالفنان صابر الرباعي، حيث تجاذبنا أطراف الحديث حول عديد المواضيع، وكان من بينها الحديث عن توسعة مسرح الهواء الطلق بنابل، هذا الفضاء الثقافي الذي يستحق، بلا شك، أن يكون في مستوى مكانة نابل ومهرجانها وجمهورها.
وفي تلك اللحظات، اكتشفت أن وراء الاسم الكبير إنسانًا أكبر.
لمست في صابر الرباعي تواضعًا حقيقيًا، وأخلاقًا عالية، ورقيًا في التعامل، وثقافة وحضورًا إنسانيًا يجعلانك تشعر، منذ اللحظة الأولى، وكأنك تعرفه منذ عقود.
وهنا تكمن قيمة الفنان الحقيقي.
فالفنان الكبير لا تُقاس قامته بعدد الأضواء التي تحيط به، ولا بعدد الجماهير التي تهتف باسمه، ولا بحجم الشهرة التي حققها… وإنما بقدرته على أن يبقى إنسانًا بعد أن يصبح نجمًا.
الشهرة امتحان… والتواضع نجاح
كم من اسم كبير أفسدته الشهرة؟
وكم من موهبة عظيمة أضاعها الغرور؟
لكن هناك فنانين كلما ارتفعوا في سلم المجد، ازدادوا تواضعًا وقربًا من الناس.
وهذا ما لمسته في صابر الرباعي.
فالثقافة العالية لا تعني التعالي، والنجومية لا تعني الغرور، والنجاح الحقيقي لا يمنح صاحبه الحق في النظر إلى الآخرين من برج عاجي.
بل العكس تمامًا…
كلما كبر الفنان في عيون الناس، وجب أن يكبر في تواضعه.
وهذه واحدة من أجمل الصفات التي تجعل الفنان محبوبًا قبل أن يكون مشهورًا، ومحترمًا قبل أن يكون نجمًا.
نابل… على موعد مع ليلة استثنائية
هذه الليلة المنتظرة ليست مجرد سهرة موسيقية عابرة، بل موعد جديد مع الطرب الأصيل، ومع صوت استطاع أن يحجز لنفسه مكانًا بين كبار الأصوات العربية.
وسيكون جمهور نابل على موعد مع أمير الغناء العربي صابر الرباعي، في سهرة مرشحة لأن تبقى راسخة في الذاكرة، بما تحمله من موسيقى راقية، وأغانٍ تعبر الأجيال، وحضور فني لا يشبه إلا صاحبه.
من نابل، حيث البحر يلامس الموسيقى، وحيث الجمهور يعرف كيف يحتفي بالفن، سيكون اللقاء بين صوت كبير وجمهور كبير.
كلمة أخيرة…
قد نختلف في الأذواق، وقد تتعدد المدارس الفنية، وقد تتغير الأغاني والأنماط والأجيال، لكن هناك حقيقة لا يمكن الاختلاف حولها:
صابر الرباعي قامة فنية تونسية عربية صنعت مجدها بالموهبة، ورسخت مكانتها بالأخلاق والتواضع.
وكان لي في لقائي به اكتشاف أجمل من كل ما يمكن أن ترويه الكلمات:
اكتشفت أن الإنسان العظيم لا يحتاج إلى أن يثبت عظمته…
وأن الفنان الحقيقي لا يحتاج إلى الغرور كي يشعر الآخرون بقيمته…
وأن التواضع حين يسكن قلب المبدع، يصبح جزءًا من فنه وجماله.
فيا صابر الرباعي…
موعدنا في نابل، حيث المسرح ينتظر صوتك، والجمهور ينتظر طربك، والذاكرة تستعد لتوثيق ليلة جديدة من ليالي الفن الجميل.
أما أنت، أيها الفنان الكبير، فستظل أجمل حين تبقى كما أنت: فنانًا كبيرًا… وإنسانًا متواضعًا.
نابل تحتفي بالفن… والفن الحقيقي يحتفي بالإنسان.









