مقالات

الشباب.. الوعي الرقمي والأمن الفكري بين الأصابع والشاشات.. عندما تُدار حياتنا عن بُعد!

بقلم الكاتب والإعلامي/ طراد علي بن سرحان الرويس
حرر بتاريخ: ١٨ / ٠٨ / ٢٠٢٦م
لم تعد الشاشات التي نحملها بين أيدينا مجرد أدوات للتواصل والترفيه والحصول على المعلومات، بل أصبحت جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية، تدخل معنا إلى غرف نومنا، وتجلس إلى موائد طعامنا، وترافق أبناءنا في لحظات وحدتهم وفرحهم وقلقهم، وربما تعرف عنهم أحيانًا أكثر مما نعرف نحن عنهم.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فالمسألة لم تعد مجرد “استخدام للإنترنت”، ولا قضية تقنية يمكن حلها بمصادرة الهاتف أو تحديد ساعات استخدامه، وإنما أصبحت قضية إنسانية وتربوية وفكرية واجتماعية تمس طريقة تفكير شبابنا، ونمط علاقاتهم، ونظرتهم إلى أنفسهم وإلى الآخرين وإلى المستقبل.
إن المعركة الحقيقية في عصرنا لا تُدار فقط في ميادين المواجهة التقليدية، بل قد تتسلل بصمت عبر شاشات مضيئة تستقر في كفوف أطفالنا وشبابنا، فتؤثر في أفكارهم، وتشكل بعض قناعاتهم، وتعيد ترتيب أولوياتهم، وتقدم لهم نماذج للنجاح والحياة والقيم قد لا تكون بالضرورة منسجمة مع واقعهم أو ثقافتهم أو احتياجاتهم الإنسانية.
لكن علينا، قبل أن نخاف من الشاشة، أن نسأل سؤالًا أكثر عمقًا:
لماذا أصبح الشاب يقضي كل هذا الوقت أمامها؟
فالشاشة ليست دائمًا أصل المشكلة؛ أحيانًا تكون مرآة لمشكلة أعمق.
عزلة الكثرة.. عندما يكون الجميع حولنا ولا نجد من يسمعنا.
من أكثر الظواهر التي تستحق التوقف عندها ما يمكن أن نسميه “عزلة الكثرة”.
نحن نعيش في عصر يستطيع فيه الإنسان أن يتحدث إلى مئات الأشخاص في اليوم، لكنه قد يعود في نهاية يومه وهو يشعر بأنه لم يتحدث مع شخص واحد حديثًا حقيقيًا.
قد يكون الشاب محاطًا بآلاف المتابعين، لكنه يفتقد صديقًا يصغي إليه، وقد تكون الفتاة على تواصل مستمر مع الآخرين، لكنها لا تجد داخل بيتها من يسألها بصدق:
كيف تشعرين؟ وما الذي يشغلك؟
وهنا تتحول الشاشة من وسيلة تواصل إلى ملاذ نفسي.
فكل “إعجاب”، وكل تعليق، وكل إشعار، قد يمنح الإنسان لحظة قصيرة من الشعور بأنه مرئي ومقبول ومهم.
ومع الوقت، قد يتحول هذا الاحتياج الطبيعي إلى تعلق مفرط بالعالم الرقمي، فيبدأ الشاب بالابتعاد تدريجيًا عن واقعه، وتضعف علاقته بأسرته، ويتراجع نشاطه الواقعي، وتصبح الشاشة مصدرًا أساسيًا للمتعة والتقدير والانتماء.
وهنا لا تكمن المشكلة في الهاتف وحده، وإنما في الفراغ الذي سمح للهاتف بأن يملأه.
الشاب لا يبحث دائمًا عن المحتوى.. أحيانًا يبحث عن نفسه
من الأخطاء التي نرتكبها عندما نتحدث عن الشباب والعالم الرقمي أن ننظر إليهم باعتبارهم مجرد مستهلكين للمحتوى.
الشاب في هذه المرحلة من عمره يبحث عن إجابات كبيرة:
من أنا؟
ماذا أريد؟
ما قيمتي؟
هل أنا ناجح؟
هل يحبني الآخرون؟
هل لي مكان في هذا المجتمع؟
وماذا سيكون مستقبلي؟
وحين لا يجد إجابات مقنعة في البيت أو المدرسة أو المجتمع، فإنه سيبحث عنها في مكان آخر.
وهنا يأتي دور العالم الرقمي.
الخوارزميات لا تقدم له بالضرورة ما هو أفضل له، وإنما غالبًا ما تقدم له المزيد مما يجذب انتباهه.
وكلما شاهد محتوى معينًا، جاءه المزيد منه.
وكلما تفاعل مع فكرة، ظهرت له أفكار مشابهة.
وهكذا قد يجد الشاب نفسه تدريجيًا داخل فقاعة رقمية تعيد إنتاج الأفكار نفسها أمامه حتى تبدو له وكأنها الحقيقة الوحيدة الموجودة.
من الفراغ إلى الاستقطاب.. حين يصبح الانتماء سلعة، وحين يشعر الإنسان بالوحدة أو الفراغ أو ضعف التقدير، يصبح أكثر قابلية للبحث عن جماعة تمنحه الشعور بالانتماء.
وهنا تظهر خطورة ما يمكن تسميتهم بـ “سماسرة الانتماء”؛ أولئك الذين يستغلون حاجة الإنسان إلى القبول والانتماء، ويوظفون المنصات الرقمية للتأثير في عقول الشباب ومشاعرهم.
وقد يأتي الاستقطاب في صور متعددة؛ أحيانًا في صورة خطاب متطرف، وأحيانًا في صورة شائعة، أو نظرية مضللة، أو خطاب كراهية، أو محتوى يسخر من القيم والثوابت، أو نموذج زائف للنجاح والسعادة.
والأخطر من ذلك أن المحتوى المؤثر لا يأتي دائمًا بصورة مخيفة.
قد يأتي في صورة مقطع قصير ممتع.
أو شخصية محبوبة.
أو مؤثر يتحدث بلغة الشباب.
أو قصة تبدو واقعية.
أو معلومة تحمل جزءًا من الحقيقة، ثم تُبنى عليها استنتاجات مضللة.
وهنا يصبح التحدي الحقيقي ليس أن نمنع الشباب من مشاهدة كل شيء، فهذا غير ممكن، وإنما أن نبني داخلهم القدرة على التمييز.
من الانقياد إلى التفكير.. هنا يبدأ الأمن الفكري
الأمن الفكري الحقيقي لا يتحقق عندما نمنع الشاب من التفكير، وإنما عندما نعلمه كيف يفكر.
لا نريد شابًا يخاف من السؤال.
ولا شابًا يرفض كل ما يختلف معه.
ولا شابًا يصدق كل ما يراه.
بل نريد شابًا يستطيع أن يقول:
من أين جاءت هذه المعلومة؟
من صاحبها؟
ما الدليل عليها؟
هل هناك مصدر آخر يؤكدها؟
لماذا يريد هذا المحتوى أن يغضبني الآن؟
لماذا يدفعني إلى الكراهية؟
لماذا يطلب مني أن أنشره بسرعة؟
ومن المستفيد من وصوله إلى أكبر عدد ممكن من الناس؟
هذه الأسئلة البسيطة هي جوهر ما يمكن أن نسميه “فلسفة التبين”.
أن يتعلم الشاب أن يتوقف لحظة قبل أن يضغط زر “إرسال” أو “مشاركة”.
تلك اللحظة الصغيرة قد تمنع شائعة.
وقد تحمي إنسانًا من التشهير.
وقد تمنع فتنة.
وقد تحمي خصوصية شخص.
وقد تنقذ شابًا آخر من الوقوع في فخ التضليل.
الأمن الرقمي.. عندما تصبح الخصوصية جزءًا من الوعي
ولا ينبغي أن نغفل جانبًا آخر من القضية، وهو الأمن الرقمي الشخصي.
فبعض الشباب يتعامل مع بياناته وصوره ومعلوماته الشخصية وكأنها أشياء بلا قيمة، بينما قد تتحول صورة أو كلمة مرور أو معلومة شخصية إلى وسيلة للابتزاز أو الاحتيال أو انتهاك الخصوصية.
ومن هنا يجب أن تصبح الثقافة الرقمية جزءًا أساسيًا من التربية.
على الشاب أن يعرف أن ما ينشره اليوم قد يبقى أثره سنوات طويلة.
وأن الخصوصية ليست خوفًا من الآخرين، بل احترام للذات.
وأن الشهرة الرقمية ليست مبررًا للتنازل عن الحدود الشخصية.
وأن عدد المتابعين لا يقيس قيمة الإنسان.
وأن “الإعجاب” الرقمي لا ينبغي أن يتحول إلى مقياس للثقة بالنفس.
وماذا عن الأسرة؟
هنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية:
هل الحل أن نمنع أبناءنا من الهواتف؟
في رأيي، لا.
فالهاتف جزء من عالمهم، والإنترنت أصبح جزءًا من التعليم والعمل والتواصل والمعرفة.
لكن الحل أن نمنح أبناءنا ما هو أهم من الرقابة:
الثقة.
نحتاج أن ننتقل من نموذج الأب الذي يفتش هاتف ابنه بحثًا عن الخطأ، إلى الأب الذي يجعل ابنه يقول له:
“حدث شيء على الإنترنت ولا أعرف كيف أتعامل معه.”
ونحتاج إلى أم لا تجعل اعتراف ابنتها بمشكلة رقمية سببًا للعقاب الفوري، بل تجعل من بيتها مكانًا آمنًا للحديث.
فالابن الذي يخشى الاعتراف بخطئه لأسرته قد يخفي المشكلة حتى تكبر.
أما الابن الذي يعرف أن أسرته ستساعده قبل أن تحاكمه، فإنه سيكون أكثر قدرة على طلب النجدة عندما يتعرض للتنمر أو الابتزاز أو التضليل أو الضغط النفسي.
البيت الآمن ليس البيت الذي يخلو من الأخطاء، بل البيت الذي يستطيع أفراده الحديث عن أخطائهم دون خوف.
لا نريد شبابًا خارج العالم الرقمي.. بل شبابًا يقودونه
ومن المهم أن نغير زاوية النظر إلى الشباب.
فبدل أن ننظر إليهم باعتبارهم “مشكلة رقمية”، علينا أن نراهم باعتبارهم ثروة رقمية.
لدينا جيل يستطيع صناعة الفيديو، والكتابة، والتصميم، والبرمجة، والابتكار، وإطلاق المبادرات، وبناء المشاريع، والتواصل مع العالم.
فلماذا نتركه مستهلكًا للمحتوى فقط؟
لماذا لا نمنحه فرصة ليكون صانعًا له؟
لماذا لا نوجه طاقته إلى إنتاج محتوى عربي رصين يعكس ثقافتنا، ويحترم قيمنا، ويناقش قضايا مجتمعنا، ويقدم المعرفة بأساليب عصرية تصل إلى أبناء جيله؟
إن الشاب الذي يجد فرصة ليصنع ويبتكر ويشارك، لن يكون مجرد متلقٍ سلبي لما يصنعه الآخرون.
وهنا يتحول العالم الرقمي من ساحة للاستقطاب إلى مساحة للإبداع.
المدرسة.. من تعليم استخدام التقنية إلى تعليم فهمها
كما أن مسؤولية المدرسة لم تعد تقتصر على تعليم الطالب كيفية استخدام التكنولوجيا، بل يجب أن تمتد إلى تعليمه كيف يفهم البيئة الرقمية التي يعيش فيها.
نحتاج إلى تعزيز مفاهيم:
– التربية الإعلامية.
– التفكير النقدي.
– التحقق من المعلومات.
– أخلاقيات النشر.
– حماية الخصوصية.
– الأمن السيبراني الشخصي.
– التعامل الواعي مع الذكاء الاصطناعي.
– إدارة الوقت والانتباه.
– فهم تأثير الخوارزميات في تشكيل المحتوى.
هذه ليست مواد ترفيهية أو إضافية؛ إنها مهارات حياة أساسية لجيل سيعيش معظم مستقبله داخل بيئة رقمية متسارعة.
والإعلام.. عليه مسؤولية مضاعفة
الإعلام كذلك أمام مسؤولية تاريخية.
فلا يكفي أن نحذر الشباب من الشائعات، بينما نقدم لهم أحيانًا محتوى يقوم على الإثارة والمبالغة والاستقطاب.
ولا يمكن أن نطالبهم بالتثبت والتحقق، ثم نشارك نحن في صناعة العناوين المضللة بحثًا عن المشاهدة.
الإعلام المسؤول هو الذي يقدم الحقيقة دون تهويل، ويناقش الاختلاف دون تحريض، ويمنح الشباب مساحة للتعبير والمشاركة، ويقدم القدوات الحقيقية بدلًا من صناعة الشهرة من أجل الشهرة.
كما أن على الإعلام أن يقترب من لغة الشباب دون أن يتنازل عن المهنية.
الحل ليس مسؤولية طرف واحد
لا يمكن أن نطلب من الأسرة وحدها أن تقوم بكل شيء.
ولا من المدرسة وحدها.
ولا من الإعلام وحده.
ولا من المؤسسات الحكومية والمجتمعية وحدها.
ولا من الشاب وحده.
القضية أكبر من ذلك.
نحن أمام مسؤولية مجتمعية مشتركة.
فالأسرة تمنح الأمان والحوار.
والمدرسة تمنح المعرفة والمهارات.
والإعلام يصنع الوعي.
والمؤسسات الثقافية والمجتمعية توفر مساحات المشاركة والإبداع.
والجهات المختصة تحمي الفضاء الرقمي وتواجه الجرائم والمخاطر.
والمنصات التقنية مطالبة بمسؤولية أكبر تجاه سلامة المستخدمين، خصوصًا الفئات الأصغر سنًا.
أما الشباب أنفسهم، فعليهم أن يدركوا أن الحرية الرقمية لا تعني غياب المسؤولية.
من يملك الشاشة.. يملك جزءًا من مستقبله
إن القضية في جوهرها ليست: هل نسمح للشباب باستخدام التكنولوجيا أم لا؟
بل السؤال الحقيقي هو:
هل نربي جيلًا يستطيع استخدام التكنولوجيا دون أن تسمح التكنولوجيا باستخدامه؟
وهذا فرق كبير.
نريد شابًا يدخل العالم الرقمي بعقل مفتوح، لا بعقل مستسلم.
يبحث عن المعرفة، لا عن الإدمان.
يستخدم وسائل التواصل لبناء العلاقات، لا للهروب من الواقع.
ينتج المحتوى، ولا يكتفي باستهلاكه.
يحترم اختلاف الآخرين، دون أن يتنازل عن هويته وقيمه.
ويعرف أن الحرية الحقيقية ليست أن تفعل كل ما تستطيع، بل أن تعرف ما الذي ينبغي أن تفعله، ولماذا.
إن الأمن الفكري ليس قيدًا على الحرية، ولا جدارًا حول العقول، بل هو قدرة الإنسان على أن يمتلك قراره الفكري وسط عالم يحاول باستمرار جذب انتباهه وتوجيه اختياراته.
والوعي الرقمي ليس مجرد معرفة كيفية استخدام الهاتف، بل معرفة متى نستخدمه، ولماذا، وكيف نحمي أنفسنا والآخرين أثناء استخدامه.
وفي النهاية، ربما لا نحتاج إلى أن ننتزع الهاتف من يد الشاب بقدر ما نحتاج إلى أن نعيد الإنسان إلى قلب حياته.
أن نعيد الحوار إلى الأسرة.
والقدوة إلى المجتمع.
والمعنى إلى حياة الشباب.
والثقة إلى العلاقة بين الأجيال.
والإبداع إلى المدرسة.
والمسؤولية إلى الإعلام.
والإنسانية إلى العالم الرقمي.
فالشاب الواعي رقميًا ليس ذلك الذي يخاف من التكنولوجيا، بل الذي يعرف كيف يستخدمها دون أن يفقد نفسه.
هو الذي يمسك الهاتف بيده، ولا يسمح للهاتف أن يمسك بعقله وقلبه وحياته.
فلنكن جميعًا، آباءً وأمهات، ومربين وإعلاميين، ومؤسسات تعليمية وثقافية ومجتمعية، شركاء في بناء هذا الوعي.
ولنجعل من فضاءاتنا الرقمية جسورًا للمعرفة، ومن شبابنا صناعًا للمستقبل، ومن بيوتنا ملاذًا آمنًا للحوار، ومن أمننا الفكري مساحة رحبة للتفكير الحر والمسؤول.
فالمستقبل لا يُحمى بمنع أبنائنا من العالم، وإنما بتأهيلهم ليكونوا قادرين على التعامل مع العالم دون أن يفقدوا هويتهم وإنسانيتهم.

زر الذهاب إلى الأعلى