. إعدام.. أستاذ جامعى!
وجيه الصقار
تتزايد المطالبات يومياً بزيادة رواتب وحوافز أستاذ الجامعة لمواجهة غلاء المعيشة، وضمان حد أدنى كريماً يتماشى مع قيمته العلمية. فكيف نطالب جامعاتنا بالتميز، والتصنيف الدولي، والبحث العلمي المتقدم، بينما نترك الأستاذ يعاني ضعف الأجر واهتزاز قيمته الاجتماعية؟ إن المفارقة المؤلمة تكمن في تضاعف موارد الجامعات في السنوات الأخيرة لتصل إلى مليارات الجنيهات من مصادر عدة؛ مثل: البرامج الخاصة، الكليات الأهلية، التعليم المتميز، الدراسات العليا، الطلاب الوافدين، والبرامج الدولية. ورغم هذا الثراء المالي، يتجاهل المسؤولون نصيب عضو هيئة التدريس والعاملين من هذه العوائد، ليبرز السؤال المشروع: أين تذهب الزيادات الضخمة في موارد الجامعات ومن المستفيد؟ ..فى المقابل، يستأثر رؤساء الجامعات والقيادات بملايين الجنيهات تحت ستار “لوائح مجالس الجامعات” التي غالبًا ما تخالف عن القانون والرقابة، بينما يُترك الأستاذ – الذي يمثل الرمز الحقيقي للتعليم – يصارع الإحباط. فالأستاذ الحقيقي المتفرغ لعمله في التدريس، والإشراف على الرسائل، والإنتاج البحثي، وخدمة المجتمع ليس لديه مصادر دخل أخرى؛ فهل المطلوب منه أن يتسول، بينما هناك من يمتص موارد الدولة والجامعة بالفعل؟ فإن تحسين أوضاع الأستاذ الجامعي لا يتحقق عبر “منحة مؤقتة” أو “علاوة استثنائية”، بل يتطلب مشروعاً قومياً لإصلاح منظومة الجامعات. يبدأ برفع أجور أعضاء هيئة التدريس والعاملين، ويمتد لإعادة تنظيم إدارة الموارد، والصناديق الخاصة، والتعليم الدولي، ومعاشات التقاعد. وهذا يؤكد صدضرورة إصلاح هذا الخلل، بإعلان وتحديد مصادر دخل الجامعات وأوجه إنفاقها بشفافية مطلقة، ووضع قواعد صارمة تمنع تدخل القيادات فى مكافآت ومنح عشرات الآلاف من أعضاء هيئة التدريس والعاملين. كما يجب الإنتباه لدور الأستاذ فى الإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه بأنه ليس عملاً هامشياً، بل هو مسؤولية أكاديمية ضخمة تستغرق وقتاً وجهداً وبالتالى استحقاقات وتقدير مادي عادل.،. وتدخل عاجل من الدولة لزيادة الأجور والحوافز دورياً بنسبة لا تقل عن 50% سنوياً، و للوصول إلى دخل معقول بعد 5 سنوات، وألايزيد على 400% مهما كان المنصب فى الجامعة، بحيث ترتبط الأجور بالعمل والإنتاج الحقيقي وليس بالسلطة والمنصب. كما يجب توظيف إمكانات الجامعات الحكومية لتكون بيتاً للخبرة والاستشارات للدولة في مجالات الهندسة، والبيئة، والقانون، والاقتصاد، والطب، والزراعة؛ بدلًا من تبديد المليارات على جهات استشارية خاصة، لتكن الجامعة مركز الاستشارات ومصدراً إضافياً لتحسين أجر الأستاذ بما يحفظ كرامته. وإعادة النظر في الحسابات الخاصة بالجامعات لتقنين قواعد التوزيع، ووضع سقف واضح للحوافز والمكافآت أمام الجميع لمنع الفجوة بين القيادات والقاعدة العريضة من الأساتذة والعاملين.
إن ما يتعرض له الأستاذ الجامعي اليوم ليس مجرد أزمة مالية عابرة، بل هي إهانة للعلم نفسه. فالأستاذ لا يبحث عن صدقة أو امتيازات فئوية، بل يطلب الحد الأدنى من مقومات الحياة التي تمكنه من أداء رسالته. ويرى جمهور من الأساتذة ضرورة إعادة نظام انتخابات العمداء ورؤساء الجامعات لكى يحرصوا على مصلحة الاغلبية ولا يصادروا حقوقهم كما يحدث الآن..ولوحظ وجود طبقة هامشية من العاملين الشباب لا تزيد رواتبهم على 2000 جنيه مع بذل خدمات كبيرة فى أرجاء الجامعة، يتطلب تسكينهم على وظائف ورواتب مناسبة ورفع الظلم عنهم .
**إذا أردنا حقًا جامعة قوية، وبحوثاً علمية تثري المجتمع، وخريجاً متميزاً ينافس عالمياً، فعلينا أن نوفر مقومات البقاء لأستاذ الجامعة.. وإلا فإننا نحكم عليه وعلى منظومة التعليم بأكملها بـ “الإعدام” الفعلي بالفقر والإحباط وإهدار المكانة.








