أنا أشك… إذن أنا مجرم
بقلم عبد المجيد عبوبي
لم يكن طه حسين قد اغتال أحداً. لم يسرق ولم يخن. جريمته الوحيدة أنه قال: “أنا أشك”.
في عام 1926، لم تخف مصر على القرآن من طه حسين. القرآن كان موجوداً قبله وسيبقى بعده. الذي ارتعد هو نظام اليقين المطلق؛ ذلك النظام الذي يعرف الجواب قبل أن تسأله. الذي خاف هو السلطة التي تلبس ثوب المقدس، والمقدس الذي يتستر برداء السلطة.
طه حسين كتب كتاباً عن الشعر. فلماذا أشعلت النيران؟
لأن السؤال، أي سؤال، حين يُوجَّه إلى النص، يصبح في الحقيقة سؤالاً إلى السلطة التي تملك الحقيقة. والسلطة التي تملك الحقيقة لا تخاف من الخطأ، بل تخاف من الشك. لأن الشك يعني أن هناك عقلاً آخر يفكر. وإذا كان هناك عقل آخر يفكر، فالسلطة ليست وحدها.
العصا
في سورة طه، يلقي موسى عصاه، فتتحول إلى ثعبان. ثم يأمره الله أن يأخذها، فتعود عصا. لماذا؟
لأن العصا هي الموقف. ذلك الموقف الذي تقف فيه أمام الحقيقة. يجب أن تفقد ما تعرفه حتى تعرف ما هو أبعد من معرفتك. يجب أن يتحول اليقين إلى رعب، ثم تعود عصاك، لكنها عصى غير التي كانت.
طه حسين ألقى عصا. سأل: هل هذا الشعر جاهلي حقاً؟ هل نحن نقرأ تاريخاً أم نقرأ ما كُتب ليُقرأ على أنه تاريخ؟
كان سؤالاً أدبياً. لكنه تحول إلى ثعبان. لأن السؤال الأدبي، حين يكون صادقاً، يكشف عن سؤال أكبر: من يملك الحقيقة؟ ومن يملك الحقيقة لا يسأل، بل يُجيب قبل أن يسأل، ويريد أن يسكت.
المحاكمة
لم يحاكم طه حسين لأنه كذب. حُوكم لأنه شك. وفي بلادنا، الشك جريمة أشد من الكذب. الكذب يمكن تبريره. لكن الشك؟ الشك يعني أن العقل حي. والعقل الحي خطر على كل نظام يبنى على أن الناس يجب أن يكونوا أمواتاً يمشون.
في المحاكمة، لم يُسأل: “لماذا قلت هذا؟” بل سُئل: “من أنت حتى تقول؟” السؤال الأول يفترض أن الحقيقة قابلة للنقاش. والثاني يفترض أن الحقيقة ملكٌ، وأن طه حسين ليس من أهل الملك.
هنا تكمن الفتنة. ليست فتنة الشعر الجاهلي. بل فتنة السؤال. فتنة أن يقف إنسان ويقول: “أنا أفكر، إذن أنا موجود”.
البراءة
الشعر الجاهلي بريء. لم يكن يحتاج إلى دفاع. الذي يؤذي هو الخوف من الكلمات.
طه حسين لم يقل: “القرآن محرف”. قال: “هذا النص ربما ليس جاهلياً بالكامل”. كان سؤالاً في الأدب. لكن الأدب، حين يكون حراً، يكشف عن السياسة. والسياسة، حين تكون مريضة، تلبس لباس الدين.
الذين هاجموه لم يكونوا يدافعون عن الشعر الجاهلي. كانوا يدافعون عن حقهم في امتلاك الحقيقة. كانوا يدافعون عن عصا لا تُلقى، ولا تتحول، ولا تعود. عصا ميتة.
الشك الإيجابي
يقولون: الشك يؤدي إلى الضلال. نقول: اليقين الزائف هو الضلال. الشك الذي يبحث عن الحقيقة ليس هدماً، بل هو بناء. الشك هو الذي جعل موسى يذهب إلى الجبل. الشك هو الذي يجعل الإنسان إنساناً، لا آلة تردد.
طه حسين كان يقول: “أنا لا أدري، فلنبحث”. وهذا القول وحده كافٍ لإثارة الفتنة. لأن “أنا لا أدري” تعني أن هناك من يدري. و”لنبحث” تعني أن البحث مشروع. وإذا كان البحث مشروعاً، فالسلطة التي تمنعه غير مشروعة.
الخاتمة
مات طه حسين. ومات الذين حاكموه. وبقي السؤال.
اليوم، إذا فتحت أي كتاب، ستجد أن طه حسين كان محقاً في الكثير، ومخطئاً في بعض. لكن الأهم: كان جريئاً في السؤال. وفي زمن كان فيه السؤال جريمة، كانت الجرأة هي العدالة.
عصا موسى لا تزال تُلقى كل يوم. في كل مرة يسأل فيها طفل: “لماذا؟” في كل مرة يقف فيها شاب ويقول: “لست مقتنعاً”. العصا تتحول إلى ثعبان. والناس تفزع. ثم تعود عصا. لكنها عصى الحرية.
“الحقيقة لا تخاف من السؤال. الذي يخاف من السؤال هو الذي يعرف أن حقيقته ليست حقيقة.”








