الدروس الخصوصية..
تعليم أم تجارة؟ ولماذا يرتفع سعر الحصة كل عام؟
بقلم/ ممدوح عكاشة
لم تعد الدروس الخصوصية في مصر مجرد وسيلة لمساعدة الطالب على فهم درس أو مادة يصعب عليه استيعابها، وإنما تحولت لدى البعض إلى سوق تعليمية ضخمة لها أسعارها وقواعدها وموسمها، وأصبح ولي الأمر يجد نفسه أمام سؤال صعب: لماذا يرتفع سعر الدرس كل عام، رغم أن المادة نفسها والمدرس نفسه والساعة نفسها؟
الأمر لم يعد مجرد شكوى فردية؛ فقد شهد عام 2026 تحركات ومطالبات برلمانية بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الدروس والسناتر، في الوقت الذي أصبحت فيه فاتورة الدروس تلتهم جزءًا مؤثرًا من دخل الأسرة.
من حق المعلم أن يحصل على أجر عادل.. ولكن!
لا أحد ينكر أن المعلم له الحق في تحسين دخله، وأن تكاليف الحياة ارتفعت، وأن المعلم مثل غيره لديه أسرة والتزامات ومصاريف. كما أن المعلم المتميز الذي يبذل جهدًا حقيقيًا في شرح مادته ومتابعة طلابه يستحق التقدير.
لكن السؤال هنا ليس: لماذا يأخذ المعلم أجرًا؟
وإنما السؤال: لماذا يتحول الأجر كل عام إلى سباق جديد للزيادة؟
ولماذا يصبح الطالب الذي كان يدفع مبلغًا معينًا في العام الماضي مطالبًا بدفع مبلغ أكبر هذا العام، ثم أكبر في العام المقبل، وكأن الدروس الخصوصية أصبحت مرتبطة بزيادة سنوية تلقائية لا تخضع لمعيار واضح؟
والأخطر أن بعض الأسعار أصبحت تجعل الأسرة أمام اختيار قاسٍ: إما أن تدفع، وإما أن تشعر أن ابنها سيتخلف عن زملائه.
هل كل زيادة مبررة؟
قد تكون هناك أسباب حقيقية لبعض الزيادات؛ مثل ارتفاع إيجارات السناتر، والكهرباء، والمواصلات، وتكاليف المذكرات والكتب، وغيرها.
لكن هذه الأسباب لا تفسر وحدها كل الزيادات.
فبعض المعلمين أصبح سعرهم مرتبطًا بالشهرة وعدد الطلاب والنتائج السابقة، وأحيانًا يتحول اسم المدرس إلى علامة تجارية، فيدفع الطالب ثمن الاسم قبل أن يدفع ثمن العلم.
وتشير بيانات منشورة حديثًا إلى أن أسعار الحصة في 2026 تتفاوت بصورة كبيرة، وقد تصل في بعض الحالات إلى مئات الجنيهات، خصوصًا في المرحلة الثانوية والدرس الفردي.
وهنا يجب أن نسأل: هل زيادة السعر تعني بالضرورة زيادة جودة التعليم؟
بالتأكيد لا.
المشكلة ليست في المدرس وحده
علينا أن نكون منصفين.
أزمة الدروس الخصوصية ليست مسؤولية المدرس وحده، وإنما هي نتيجة منظومة متشابكة:
مدرسة تحتاج إلى مزيد من التطوير، وولي أمر يخشى على مستقبل ابنه، وطالب يريد ضمان النجاح، ومناهج وامتحانات تجعل الأسرة في حالة قلق دائم.
وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن خوف أولياء الأمور على مستقبل أبنائهم والثقة المتراكمة في الدروس الخصوصية من أهم أسباب استمرار الظاهرة.
لكن في المقابل، لا يجوز أن يتحول قلق ولي الأمر إلى فرصة للضغط عليه ماليًا.
الطالب ليس ماكينة أموال
أقولها بكل وضوح:
الطالب ليس مشروعًا تجاريًا، وولي الأمر ليس خزينة مفتوحة.
هناك أب يعمل طوال الشهر من أجل توفير احتياجات أسرته الأساسية، ثم يجد نفسه مطالبًا بدفع آلاف الجنيهات شهريًا للدروس، خاصة إذا كان لديه أكثر من ابن.
وقد نشرت «مصراوي» نماذج لأسر تصل فيها تكلفة الدروس ومستلزماتها إلى نسب كبيرة من دخل الأسرة، خصوصًا مع طلاب المرحلة الثانوية.
وهنا يصبح السؤال أخلاقيًا قبل أن يكون اقتصاديًا:
إلى متى يظل التعليم مرتبطًا بقدرة الأسرة على الدفع؟
المعلم الحقيقي لا يحتاج إلى استغلال احتياج الطالب
المعلم الحقيقي هو الذي يشعر أن رسالته قبل مهنته، وأن الطالب الذي يجلس أمامه إنسان له مستقبل وليس مجرد رقم في كشف الحضور.
ومن حق المعلم أن يحصل على مقابل جيد، لكن من حق الطالب أيضًا أن يجد سعرًا منطقيًا يتناسب مع مستوى الخدمة التعليمية.
نحن لا نطالب بإلغاء الدروس الخصوصية بين يوم وليلة، فهذا غير واقعي، ولكننا نطالب بمنظومة أكثر عدلًا، ورقابة على السناتر، ووضوح في الأسعار، ومواجهة أي استغلال لحاجة الطلاب وأولياء الأمور.
والحل يبدأ من المدرسة
إذا أردنا القضاء على ظاهرة الدروس الخصوصية، فلا يكفي أن نقول للمدرس: «لا ترفع السعر».
علينا أن نجعل المدرسة مكانًا يستطيع الطالب أن يتعلم فيه بالفعل.
معلم محترم ومُقدَّر، فصل مناسب، شرح جيد، متابعة حقيقية، امتحانات عادلة، ومناهج يفهمها الطالب داخل المدرسة.
عندها فقط ستعود الدروس الخصوصية إلى حجمها الطبيعي: مساعدة إضافية لمن يحتاجها، وليس شرطًا أساسيًا للنجاح.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن يجيب عنه الجميع:
هل نريد تعليمًا يرفع مستوى الطالب، أم سوقًا كلما ارتفعت فيها الأسعار ظن البعض أن التعليم أصبح أفضل؟
فالزيادة السنوية في سعر الدرس ليست المشكلة وحدها، وإنما المشكلة الأكبر أن يصل المجتمع إلى مرحلة يشعر فيها ولي الأمر أن مستقبل ابنه أصبح مرهونًا بقدرته على الدفع.
**التعليم رسالة.. والمعلم صاحب رسالة.. والطالب أمانة، فلا نحول هذه الرسالة إلى تجارة بلا سقف.**







