من “اقرأ” في غار حراء إلى سرقة المسلة وهدم الجبانات..
كيف تولد الحضارات وكيف تُنهب باسم التطوير؟
بقلم: أشرف عبده
لم تكن مصر مجرد أرض ونيل، بل كانت مصنع الحضارة الأول في التاريخ. وإذا كانت اليونان قد صدّرت الفلسفة وروما صدّرت القانون، فإن مصر صدّرت الحضارة نفسها، ثم جاء الإسلام ليصدّر معها حضارة “اقرأ”. فكيف بدأت الحضارتان، وكيف وصلا للعالم، ولماذا انهارت الأولى وكيف حاول البعض محو الثانية؟
أولاً: كيف تولد الحضارات؟.. من توحيد مينا إلى “اقرأ” في غار حراء
الحضارة الفرعونية (3200 ق.م – 332 ق.م) – الأساس
بدأت بتوحيد الملك مينا (نارمر) للوجهين القبلي والبحري عام 3200 ق.م، واستمرت 30 أسرة حاكمة على مدى 3000 سنة. تشبه تماماً لحظة توحيد الجزيرة العربية على كلمة واحدة بعد بعثة النبي.
ومثلما واجه النبي عقبات قريش (الحصار في شعب أبي طالب 3 سنوات، تعذيب بلال وسمية، ومصادرة مال صهيب)، واجهت الحضارة الفرعونية عقبات داخلية أدت لانهيارها: الصراع بين الكهنة والفرعون في عهد إخناتون، ثم الغزو المتكرر: الهكسوس 1720 ق.م، الآشوريون، الفرس 525 ق.م، حتى أنهى الإسكندر الأكبر حكم الفراعنة عام 332 ق.م.
ماذا صدّرت مصر الفرعونية للعالم؟
الهندسة والعمارة: الهرم الأكبر هو الوحيد الباقي من عجائب الدنيا السبع. نقل اليونانيون فكرة الأعمدة، ونقل الرومان المسلة. اليوم توجد 13 مسلة في روما وحدها، ومسلة في باريس ونيويورك ولندن.
الطب: بردية إدوين سميث (1600 ق.م) أول كتاب جراحة. إمحوتب أول طبيب في التاريخ أصبح إله الطب عند اليونان. هيبوقراط نفسه درس في معابد مصر.
التقويم والفلك: اخترع المصريون التقويم الشمسي 365 يوماً الذي نستخدمه اليوم بعد تطوير يوليوس قيصر له.
الكتابة والورق: ورق البردي ومنه جاءت كلمة Paper. الهيروغليفية أصل الأبجدية الفينيقية التي خرجت منها لغات العالم.
الكيمياء: كلمة Chemistry من “كيميت” الاسم القديم لمصر.
ولولا دور المرأة والرجال ما قامت حضارة: خديجة بمالها وأسماء ذات النطاقين بطعامها ونسيبة بنت كعب بسيفها في أحد، ومثلهم عمال بناة الأهرام الذين أثبتت مقابرهم المكتشفة عام 1990 أنهم كانوا عمالاً مأجورين لا عبيداً.
ثانياً: مكتبة العالم وحفظ التراث (332 ق.م – 1517م)
الحضارة اليونانية – الرومانية (332 ق.م – 641 م)
حول الإسكندر مصر لمركز العالم، وبنى الإسكندرية وأنشأ بطليموس الأول مكتبة الإسكندرية التي ضمت 700 ألف كتاب، درس فيها إقليدس وأرشميدس. كانت تصدّر الفلسفة اليونانية ممزوجة بالعلم المصري لروما. انهارت عندما احترقت المكتبة، ودخل الرومان عام 30 ق.م بعد انتحار كليوباترا وحولوا مصر لمزرعة قمح وفرضوا ضرائب باهظة ومنعوا المصريين من المناصب.
الحضارة القبطية والإسلامية (641 م – 1517 م)
دخل عمرو بن العاص مصر عام 641م فأنقذ ما تبقى. صدّرت مصر الإسلامية:
جامعة الأزهر (970م) التي صدّرت الإسلام الوسطي للعالم حتى اليوم.
ابن الهيثم الذي وضع أسس البصريات التي قامت عليها الكاميرات.
القاهرة الفاطمية والمملوكية التي صدّرت فن القباب والمآذن من الأندلس للهند.
انهارت مع ضعف المماليك وتحول التجارة لرأس الرجاء الصالح، ثم جاء العثمانيون 1517م وحولوا مصر لولاية ترسل الجزية لإسطنبول 300 سنة من الظلام.
ثالثاً: كيف بدأت سرقة الحضارة المنظمة؟
تصدير الحضارة شيء، ونهبها شيء آخر.
النهب بدأ مع الرومان واكتمل مع الحملة الفرنسية: الرومان نقلوا المسلات، ونابليون جاء عام 1798 ومعه 167 عالماً ليسرق الخريطة، فسرق حجر رشيد الموجود اليوم في المتحف البريطاني. محمد علي نفسه أهدى مسلة الأقصر لفرنسا عام 1830 لتقف في ميدان الكونكورد، ومسلة أخرى لأمريكا في سنترال بارك.
العصر الذهبي للتهريب (1850-1983): كان القانون يسمح للمكتشف الأجنبي بأخذ نصف ما يجده. لهذا نفرتيتي في برلين، وبردية إبيرس في لايبزيغ، وآلاف القطع في اللوفر والمتروبوليتان. ظل الوضع حتى أصدر الرئيس الأسبق حسني مبارك القانون 117 لسنة 1983 الذي جرّم تجارة الآثار تماماً.
رابعاً: حضارة محمد علي (1805-1849).. آخر محاولة نهضة وكيف انهارت
جاء محمد علي الألباني الأصل المصري بالانتماء، الوحيد الذي فهم أن الحضارة لا تعود إلا بالعلم:
بعث البعثات لأوروبا (بعثة رفاعة الطهطاوي 1826)
أنشأ أول جيش نظامي ومصانع للسلاح والنسيج وترسانة الإسكندرية
أنشأ أول مدرسة طب وهندسة وزراعة وحفر القناطر الخيرية وزرع القطن طويل التيلة
أصبحت مصر إمبراطورية من السودان للحجاز لليونان، وحاصر جيش ابنه إبراهيم باشا الدولة العثمانية نفسها.
كيف انهارت؟
الديون: أحفاد محمد علي (عباس وسعيد وإسماعيل) اقترضوا ببذخ لبناء القصور وقناة السويس، من 3 مليون لـ 100 مليون جنيه عام 1876، ففرضت إنجلترا وفرنسا المراقبة الثنائية.
الاحتلال البريطاني (1882-1952): جاء ليحمي الديون، حول مصر لمزرعة قطن فقط، أغلق المصانع، وقال اللورد كرومر: “مصر لا تحتاج مصانع، بل زراعة فقط”.
ما بعد يوليو: حاولت ثورة 1952 استعادة المشروع بالتصنيع (الحديد والصلب، السد العالي) لكن الحروب (1956، 1967، 1973) استنزفت الاقتصاد، وانقطعت البعثات، وبدأ تصدير العقول بدلاً من الحضارة – اليوم أكثر من 10 آلاف عالم مصري في الخارج.
خامساً: جريمة العصر الحديث – التهريب بعد 2011 والهدم باسم التطوير
التهريب بعد الانفلات الأمني (2011-2014):
القانون موجود لكن التنفيذ انهار. نُهب مخزن متحف القنطرة وميت رهينة، وحُرق متحف ملوي بالكامل 2013 وسُرقت محتوياته، وحُفر أكثر من 10 آلاف حفرة خلسة في سقارة ودهشور والمنيا وأبيدوس بشبكات تستخدم الحقائب الدبلوماسية. هُربت تماثيل وبيعت في مزادات لندن ودبي. استعادت مصر 200 قطعة من أمريكا عام 2019، وتابوت الكاهن عنخ إن ماعت من هيوستن عام 2023. التهريب أصبح جريمة منظمة دولية.
الهدم باسم التطوير – الكارثة الأخطر:
السارق يأخذ قطعة، لكن الهدم يمحو تاريخاً كاملاً.
جبانات القاهرة التاريخية (القرافة): مقابر بناها الفاطميون والمماليك منذ 1000 سنة تضم رفات ابن خلدون والإمام الشافعي، شُق طريق صلاح سالم وكوبري الفردوس خلالها 2020-2023، وهُدمت مئات المقابر المسجلة كآثار إسلامية. اليونسكو احتجت لأن المنطقة تراث عالمي منذ 1979.
وكالة العنبريين وباب زويلة: هُدمت أجزاء لتوسعة محلات.
قصر المنتزه وحدائق أنطونيادس: قُطعت أشجار عمرها 100 سنة وغيرت معالم قصور تاريخية بحجة التطوير السياحي.
المشكلة ليست في التطوير، بل في غياب الأثريين عن لجنة التخطيط. المهندس يرى طريقاً، والأثري يرى تاريخاً.
سادساً: ماذا فعل الرؤساء للحفاظ على الحضارة؟.. الإيجابيات
جمال عبد الناصر (1954-1970): قاد أعظم حملة إنقاذ آثار في التاريخ، عندما كان السد العالي سيغرق أبو سمبل وفيلة، طلب مساعدة اليونسكو وجاءت 50 دولة قطعت المعابد حجراً حجراً ونقلتها 65 متراً فوق، وأنشأ هيئة الآثار.
أنور السادات (1970-1981): أنشأ قانون حماية الآثار وبدأ مشروع الصوت والضوء.
حسني مبارك (1981-2011): اكتُشف في عهده وادي المومياوات الذهبية (1999) ومقابر العمال بناة الأهرام التي أثبتت أنهم ليسوا عبيداً، وبدأ مشروع المتحف المصري الكبير عام 2002 وترميم المتحف المصري ومعبد الأقصر.
عبد الفتاح السيسي (2014-حتى الآن): أكثر رئيس افتتح متاحف: المتحف القومي للحضارة، متحف شرم الشيخ، الغردقة، كفر الشيخ، وقرب افتتاح المتحف المصري الكبير أكبر متحف آثار في العالم. استعاد آلاف القطع المهربة، وطور طريق الكباش المدفون تحت البيوت، وطور هضبة الأهرامات، وأنشأ مدينة لحرفي الفخار والزجاج الفرعوني.
سابعاً: عام حكم الإخوان (2012-2013).. سنة كادت تمحو الهوية
- الفكر المعلن لتدمير الآثار: قبل الحكم ظهرت تصريحات بتغطية الآثار بالشمع لأنها “أصنام” وفتاوى بهدم الأهرامات وأبو الهول كتماثيل بوذا في أفغانستان. القيادي مرجان سالم الجوهري قال على قناة دريم 2011: “يجب هدم تلك الأصنام”. وعندما تولى مرسي الحكم قال أحد مستشاريه: “الآثار وثنية يجب التخلص منها”.
- نهب الثروات وفتح باب التنقيب: توقفت حملات شرطة السياحة والآثار، انتشرت عصابات التنقيب، محافظ المنيا الإخواني طلب نزع 27 منطقة أثرية من عداد الآثار لتحويلها لأراض زراعية، وقُدم مشروع قانون في مجلس الشورى يسمح ببيع وتأجير الآثار لقطر 5 سنوات مقابل 200 مليار دولار.
- طمس الهوية: غُيرت مناهج التاريخ وحُذفت صور الفراعنة من كتب الابتدائي، وحاولت استبدال النشيد والعلم. الهدف لم يكن سرقة حجر فقط، بل سرقة فكرة أن مصر فرعونية – قبطية – إسلامية – متوسطية، وتحويلها لولاية في مشروع الخلافة. لو استمر عامين آخرين لكان المتحف الكبير مولاً تجارياً.
انتهى المشروع بثورة 30 يونيو 2013 التي كانت في جوهرها ثورة هوية.
الخلاصة: الحضارة لا تموت وحدها
تاريخ مصر يعلمنا قاعدة واحدة: الحضارة تزدهر عندما تفتح أبوابها للعلم وتصدره، وتنهار عندما تغلق أبوابها وتتحول لمستهلك ومُدين.
الفراعنة انهاروا بالصراع بين الكهنة والملك. البطالمة انهاروا عندما احترقت مكتبة الإسكندرية. العثمانيون أماتوها عندما حولوا الأزهر لكتاتيب. ومشروع محمد علي انهار عندما استبدلنا المصنع بالقرض والبعثة بالاستيراد.
حافظ الفراعنة على حضارتهم بالنقش على الحجر، وحافظ محمد علي عليها بالتعليم، وحافظ عبد الناصر عليها بإنقاذ أبو سمبل، ونحن اليوم إما نحافظ عليها بافتتاح المتحف الكبير، أو نهدمها بجرافة بحجة التطوير.
من “اقرأ” في غار حراء إلى نقش “كيميت” على جدران الأهرام، الرسالة واحدة: الحضارة لا تموت وحدها، بل نحن من نقتلها.






