شعر و أدب
أخر الأخبار

حينَ طرقَ المساءُ بابَ مكتبي القديم..بقلم:  الكاتب أحمد البازغ

حينَ طرقَ المساءُ بابَ مكتبي القديم

بقلم:  الكاتب أحمد البازغ

كنتُ جالسًا إلى مكتبي العتيق،
أمامَ محبرةٍ سوداء،
وورقٍ أصفرَ أكلتْ أطرافَهُ السنين،
وفوقَ الطاولةِ فنجانُ قهوةٍ بارد،
وقلمٌ ينتظرُ منّي حكاية.

دخلتْ…

ولم تقل شيئًا.

كان في عينيها كلامٌ كثير،
وفي وجهها تعبُ امرأةٍ
أمضتْ عمرَها تقول:
“أنا بخير”
كي لا تُثقِلَ على أحد.

نظرتُ إليها طويلًا،
ثم أبعدتُ القلمَ عن الورقة،
وقلتُ:

اجلسي…
لا داعيَ لأن تشرحي شيئًا.

فبعضُ النساءِ
حين يطولُ بهنَّ التعب،
لا يحتجنَ إلى مَن يسألهنَّ:
“ماذا حدث؟”
بل إلى قلبٍ
لا يجعلُهنَّ مضطراتٍ للكلام.

جلستْ…

فوضعتُ أمامَها فنجانَ القهوة،
وتركتُ بيننا الصمتَ كما هو،
دونَ أسئلةٍ،
دونَ نصائح،
دونَ تلكَ العباراتِ التي تزيدُ الوجعَ وجعًا.

وبعدَ لحظاتٍ،
رأيتُ كتفَيها يهبطانِ قليلًا،
كأنها للمرةِ الأولى
تذكّرتْ أن بإمكانها أن تتعب.

قلتُ لها:

لا تكوني قويةً الآن…
كوني كما أنتِ.

إن كان في قلبكِ بكاءٌ
فلا تخجلي منه،
وإن كان في صدركِ وجعٌ
فلا تخبّئيه خلفَ ابتسامتكِ.

ليس مطلوبًا منكِ
أن تنقذي العالمَ كلَّ يوم،
ولا أن تشرحي للناس
لماذا تغيّرتِ،
ولا أن تثبتي لأحدٍ
أنكِ بخير.

يكفي أنكِ وصلتِ إلى هنا…
وسأتركُ لكِ من الصمتِ
ما يكفي كي تستعيدي أنفاسكِ.

ثم عدتُ إلى محبرتي،
وكتبتُ على الورقِ العتيق:

يا امرأةً أنهكَتها الحياةُ
وما انحنتْ…

نامي قليلًا على كتفِ المساءِ،
فليس كلُّ من يراكِ ضعيفةً
يراكِ ناقصة.

أحيانًا…
كلُّ ما تحتاجُه المرأةُ
ليس رجلًا يصلحُ ما انكسر فيها،
بل إنسانًا لا يزيدُ كسرَها،
ولا يجعلُها تدفعُ ثمنَ حزنها.

فإن وجدتِ يومًا
مَن يصمتُ حين تحتاجين الصمت،
ويُصغي حين يعجزُ الكلام،
ويبقى دونَ أن يطالبكِ بشيء…

فاعلمي أنكِ لم تجدي مَن يحبُّ حضوركِ فقط،
بل وجدتِ مَن احترمَ تعبَكِ أيضًا.

وهذا…
أجملُ ما يمكنُ أن يُهدى
إلى قلبِ امرأةٍ
أمضى عمرَهُ يعطي الجميع،
ونسيَ ذاتَهُ قليلًا.

زر الذهاب إلى الأعلى