نداء عاجل من الدكتور عمر اكديوش السفير بوزارة الخارجية الليبية :
أيها العرب.. لا تنتظروا حتى يُغلق باب المندب
أصدر الدكتور عمر اكديوش السفير بوزارة الخارجية الليبية هذا النداء العاجل بعد التطورات الأخيرة المتلاحقة فى اليمن :
هناك لحظات في حياة الدول لا تحتمل التردد، ولا تسمح بأن تبقى الحسابات أسيرة الماضي. وما يجري اليوم حول باب المندب وهرمز ليس مجرد أزمة أمنية عابرة، وإنما لحظة ينبغي أن تعيد فيها السعودية ودول الخليج ومصر تعريف معنى الأمن القومي العربي.
لقد أصبح باب المندب وهرمز وجهين لأزمة واحدة. وما يصيب أحدهما يمتد أثره إلى الآخر، وصولاً إلى الطاقة والتجارة والموانئ وقناة السويس والاقتصادات العربية. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح في العواصم العربية ليس: كيف نهزم الحوثيين؟ وإنما: كيف نمنع أي قوة، أياً كانت، من امتلاك القدرة على خنق شريان من شرايين الأمن القومي العربي؟
لقد أثبتت التجربة أن الحرب وحدها لا تصنع حلاً دائماً في اليمن، كما أثبتت أن الجماعات المسلحة تستطيع أحياناً تحمل من الخسائر ما لا تستطيع الدول تحمله. فالدول لديها اقتصاد وموانئ واستثمارات وطاقة ومصالح دولية، بينما تستطيع الجماعات المسلحة أن تجعل من تعطيل هذه المصالح جزءاً من أدواتها.
ومن هنا، فإن العودة إلى حرب مفتوحة قد تكون أسهل من صناعة تسوية، لكنها ليست بالضرورة أكثر حكمة.
التفاوض مع الحوثيين اليوم ليس ضعفاً، كما أن الحوار معهم لا يعني الاستسلام. إنه استخدام للسياسة عندما تصبح السياسة أكثر فاعلية من السلاح. وعلى السعودية أن تفتح باب الحوار من موقع الدولة الواثقة، لا من موقع من يطلب هدنة بأي ثمن. يمكن أن يكون للحوثيين دور سياسي في مستقبل اليمن، ويمكن فتح أبواب التنمية وإعادة الإعمار، ولكن في المقابل يجب أن يكون الثمن واضحاً: أمن الملاحة الدولية غير قابل للمساومة.
لا يجوز أن يتحول باب المندب إلى ملكية سياسية أو عسكرية لجماعة مسلحة، ولا أن يصبح أمن السفن والتجارة الدولية ورقة ضغط في صراع إقليمي. والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الحوثيين بسيطة: إذا أردتم أن تكونوا جزءاً من مستقبل اليمن، فعليكم أن تتصرفوا كجزء من الدولة، لا كقوة فوق الدولة.
أما مصر، فعليها أن تكون في قلب هذه المعادلة، لأن باب المندب ليس بعيداً عن القاهرة؛ إنه البوابة الجنوبية لقناة السويس، وأمن البحر الأحمر جزء من الأمن القومي المصري ومكانتها الاستراتيجية. وعلى دول الخليج كذلك أن تدرك أن حماية باب المندب ليست مهمة مصرية، كما أن حماية هرمز ليست مهمة خليجية منفردة.
هرمز وباب المندب وقناة السويس منظومة واحدة؛ ما يحدث في الخليج يصل إلى البحر الأحمر، وما يحدث في البحر الأحمر يصل إلى قناة السويس، وما يحدث في قناة السويس ينعكس على الاقتصاد والطاقة والتجارة العربية.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى منظومة أمن بحري عربية حقيقية، تجمع السعودية ومصر ودول الخليج والدول العربية المطلة على البحر الأحمر، تقوم على تبادل المعلومات والإنذار المبكر وحماية الموانئ والمنشآت الحيوية وخطوط الطاقة والتجارة، وتبني قدرة عربية قادرة على الردع وحماية الملاحة.
لكن الردع وحده لا يكفي، والتفاوض وحده لا يكفي، والحرب وحدها لا تكفي. المطلوب هو الجمع بين قوة تمنع الابتزاز، ودبلوماسية تفتح باب التسوية، ورؤية سياسية تعالج أصل الأزمة اليمنية.
أيها العرب، لقد تغير معنى الأمن القومي. لم يعد الأمن القومي هو حماية الحدود فقط، بل حماية الممر الذي تمر منه تجارتك، والميناء الذي تصدر منه طاقتك، والقناة التي تصل بها إلى العالم، والطريق البحري الذي تعتمد عليه اقتصاداتك.
ومن الخطأ أن تنتظر الدول العربية حتى يغلق باب المندب فعلياً كي تدرك أن أمنه جزء من أمنها. فالأمن القومي لا يبدأ عندما تقع الكارثة، بل عندما ترى الكارثة وهي تتشكل.
هذه لحظة فارقة تستدعي من الرياض والقاهرة وعواصم الخليج أن تتجاوز منطق «هذه مشكلة اليمن» و«هذه مشكلة الخليج» و«هذه مشكلة مصر». إنها مشكلة عربية واحدة، ومصالحها متشابكة.
وليس المطلوب إذلال الحوثيين ولا الاستسلام لهم، كما أنه ليس المطلوب خوض حرب جديدة بلا أفق. المطلوب أن تدرك المنطقة أن الدولة القوية هي التي تعرف متى تستخدم القوة، ومتى تستخدم الحوار، ومتى تجمع بينهما.
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل اليوم إلى الرياض والقاهرة وكل عواصم الخليج هي:
لا تنتظروا حتى يُغلق باب المندب لتكتشفوا أن الأمن القومي العربي كان يمر من خلاله.








