صدى مصرمقالاتمنوعات

المنصب والكرسي لن يدوم لك … فماذا سيبقى منك؟

المنصب والكرسي لن يدوم لك …

فماذا سيبقى منك؟

 

هنا نابل بقلم المعز غَنِـي

هناك من يظنّ أن الكرسي الذي جلس عليه خُلق من أجله ، وأن المنصب الذي مُنح له أصبح ملكًا شخصيًا لا يُنتزع ، فينسى أنه لم يصعد إلى ذلك المكان ليُصبح فوق الناس ، بل صعد إليه ليكون في خدمة الناس .

يا صاحب المنصب …

لا تغترّ بالكرسي ، ولا تجعل السلطة تغيّر ملامحك ، ولا تنسَ وجوه المواطنين الذين يطرقون أبوابك بحثًا عن حقّ ، أو حلّ مشكلة ، أو رفع مظلمة ، أو قضاء حاجة .

تذكّر دائمًا : أنت عابر … والمنصب عابر … والكرسي عابر .

قد تجلس اليوم خلف مكتب واسع ، وتحيط بك الملفات والمراسلات والهواتف والحاشية ، وقد يقف المواطن أمامك منتظرًا كلمة منك تُنهي معاناته .

فلا تنظر إليه بإعتباره شخصًا جاء ليطلب صدقة .

المواطن ليس شحّاذًا واقفًا على باب بيتك .

إنه صاحب حق ، ودافع ضرائب ، ومواطن له كرامة ، وله الحق في أن يُعامل بإحترام ، وأن تُسمع شكواه ، وأن تُقضى حاجته في إطار القانون والعدل .

لا تجعل المنصب يُفسد أخلاقك .

ولا تجعل الكرسي يُنسيك أنك كنت يومًا مواطنًا عاديًا ، تقف في الطوابير ، وتنتظر دورك ، وتبحث عن مسؤول يسمعك .

فالسلطة الحقيقية ليست أن تجعل الناس يقفون أمامك إحترامًا للكرسي ، وإنما أن تجعلهم يغادرون مكتبك وهم يشعرون أن كرامتهم محفوظة وحقوقهم مصانة .

يا صاحب المسؤولية …

حين يأتيك مواطن مكسور الخاطر ، فلا تزيده إنكسرًا .

حين يأتيك ضعيف لا يملك واسطة ، فلا تجعله يشعر أن القانون لا يحمي إلا الأقوياء .

حين تأتيك إمرأة تحمل ملفًا ، أو شيخ يبحث عن حق ، أو شاب يبحث عن فرصة ، أو عائلة أنهكتها الظروف ، فلا تستقبلهم بعقلية الموظف الذي يملك مفاتيح الأبواب .

أستقبلهم بعقلية الإنسان الذي يعرف أن الدنيا دوّارة .

فربما اليوم أنت صاحب القرار ، وغدًا تكون أنت من ينتظر قرارًا .

وربما اليوم يقف المواطن أمام مكتبك ، وغدًا تقف أنت أمام من يملك قرارًا يخصك .

وهنا تظهر حقيقة الإنسان …

ليس بما يملك من سلطة ، بل بما يفعله حين يملك السلطة .

المنصب إمتحان أخلاق قبل أن يكون رتبة إدارية .

والكرسي لا يمنح الإنسان قيمة ؛ الإنسان هو الذي يمنح الكرسي قيمة .

كم من مسؤول جلس على كرسي لسنوات ، ثم غادره ولم يترك وراءه إلا المرارة والشكوى والذكريات السيئة .

وكم من مسؤول مرّ سريعًا ، لكنه ترك أثرًا طيبًا في قلوب الناس ، لأن المواطن يتذكر من ساعده ، ومن أنصفه ، ومن فتح له بابًا كان يظنه مغلقًا .

الناس قد تنسى إسم المنصب ، لكنها لا تنسى صاحب الموقف .

لا تغترّ بالتصفيق .

لا تغترّ بالحاشية .

لا تغترّ بكثرة من يقولون لك : «سيدي».

فكل هذه الأشياء تنتهي لحظة إنتهاء المنصب .

ويبقى شيء واحد لا يسقط بسقوط الكرسي :

سيرتك بين الناس .

ماذا سيقولون عنك بعد رحيلك؟

هل سيذكرونك بالخير لأنك كنت قريبًا من المواطن؟

هل سيقولون: كان يسمعنا ويحترمنا ويعاملنا بإنسانية؟

أم سيقولون: جلس على الكرسي ، فأصبح يرى نفسه أكبر من الناس؟

هذه هي السيرة الذاتية الحقيقية التي لا تُكتب بالحبر ، ولا تُزيّنها الشهادات والألقاب.

إنها تُكتب في ذاكرة الناس .

والأيام كفيلة بأن تكشف كل شيء .

فلا منصب يدوم ، ولا سلطة تدوم ، ولا كرسي يدوم .

حتى أقوى الرجال يغادرون ، وحتى أكبر المسؤولين يتركون مكاتبهم ، وحتى الذين ظنوا أن نفوذهم أبديّ ، أكتشفوا في النهاية أن الحياة لا تمنح أحدًا إقامة دائمة .

نحن جميعًا راحلون …

أنت راحل ، وأنا راحل ، والكرسي راحل ، والمنصب راحل ، ولا يبقى إلا العمل والأثر والسيرة .

فإختر لنفسك سيرة تليق بك .

أختر أن تكون مسؤولًا يخدم الناس لا مسؤولًا يتعالى عليهم .

خادم القوم …سيدهم …!؟

أختر أن تكون قريبًا من المواطن لا حاجزًا بينه وبين حقه .

أختر أن تترك خلفك دعوة صادقة من إنسان ساعدته ، بدل أن تترك وراءك قائمة طويلة من المظالم والخذلان .

وأعلم أن أجمل ما يمكن أن يقوله المواطن عن مسؤول بعد مغادرته لمنصبه:

«كان إنسانًا قبل أن يكون مسؤولًا … ولم يتغيّر حين جلس على الكرسي .»

وختاما …

يا صاحب الكرسي …

لا تظن أن الكرسي سيحميك من الزمن .

سيأتي يوم تُغلق فيه باب مكتبك للمرة الأخيرة ، وتُسلّم مفاتيح المكان لغيرك ، وتُرفع صورتك من على الجدار ، ويجلس شخص آخر حيث كنت تجلس .

عندها لن ينفعك لقب ، ولن تنفعك حاشية ، ولن تنفعك أبواب كنت تفتحها وتغلقها متى شئت .

سيبقى فقط السؤال :

ماذا فعلت عندما كانت لديك القدرة على أن تفعل؟

كم مظلومًا أنصفت؟

كم حاجة قضيت؟

كم إنسانًا حفظت كرامته؟

وماذا تركت وراءك؟

لذلك …

لا تغترّ بالمنصب ، ولا تقدّس الكرسي ، ولا تحتقر المواطن .

فالكرسي الذي تجلس عليه اليوم سيجلس عليه غيرك غدًا …

أما السيرة التي تصنعها اليوم ، فقد تبقى بعد رحيلك طويلًا .

المنصب مؤقت … الكرسي مؤقت … أما الأثر فهو الباقي .

فإجعل أثرك جميلًا …

لأننا جميعًا ، مهما طال بنا العمر ومهما علت بنا المناصب ، سنغادر … ويبقى ما فعلناه .

والسلام على من فهم أن خدمة الناس شرف ، وأن السلطة أمانة ، وأن الكرسي لا يدوم لأحد .

هنا نابل بقلم المعز غَنِـي

كاتب وإعلامي من مدينة نابل.

عاشق الترحال وروح الاكتشاف.

زر الذهاب إلى الأعلى