حين انكسرت العاصفة
التاريخ من وراء الستار
بقلم / محمد مصطفى كامل
حين انكسرت العاصفة
عين جالوت، اليوم الذي اكتشف فيه المغول أن الجيش الذي لا يُهزم يمكن أن يُهزم
هناك معارك تنتصر فيها الجيوش.
وهناك معارك تنتصر فيها الدول.
وهناك معارك يتغير بعدها شيء أكبر من حدود الدول،تتغير الفكرة نفسها.
في الثالث من سبتمبر سنة 1260م، كانت بلاد الشام تقف أمام واحدة من أخطر اللحظات في تاريخها.
المغول وصلوا إلى دمشق.
ثم حلب.
ثم سقطت مدن كثيرة أمامهم.
وكانت بغداد قد سقطت قبل ذلك بعامين.
الخليفة قُتل.
والدولة العباسية في بغداد انتهت.
وهولاكو بدا وكأنه لا يعرف معنى التوقف.
لكن مصر كانت لا تزال هناك.
وفي مصر كان سلطان شاب اسمه سيف الدين قطز.
ورجل آخر يعرفه التاريخ جيدًا،
ركن الدين بيبرس.
ومن هنا تحرك الجيش المصري شمالًا.
لم يكن يعرف إن كان ذاهبًا إلى معركة ينتصر فيها،أم إلى معركة تكون نهايته فيها.
لكن المغول كانوا هذه المرة أمام جيش مختلف.
جيش لم يأتِ ليهرب.
بل جاء ليمنعهم من الوصول إلى مصر.
عند عين جالوت
التقى الجيشان.
المغول بقيادة كتبغا.
والمماليك بقيادة قطز، ومعه بيبرس.
وكان بيبرس في مقدمة الجيش.
يعرف طبيعة خصمه.
ويعرف أن مواجهة المغول وجهًا لوجه منذ اللحظة الأولى قد تكون انتحارًا.
لذلك بدأ القتال بالخداع.
تقدم.
ثم تراجع.
ثم عاد.
كان يجر المغول إلى المكان الذي يريد.
حتى اندفع جزء كبير من جيش كتبغا بعيدًا عن قوته الرئيسية.
وهنا ظهرت بقية قوات المماليك.
وانفتحت المعركة.
لم تكن سهلة.
ولم يكن المغول خصمًا ينهار من أول ضربة.
قاتلوا بعنف.
وردوا الهجوم.
وتحولت عين جالوت إلى صراع مفتوح بين جيشين يعرف كل منهما أن الهزيمة تعني أكثر من خسارة معركة.
كانت تعني الطريق إلى مصر.
وفي اللحظة الأصعب تقدم قطز بنفسه.
لم يبقَ بعيدًا عن ساحة القتال.
وتذكر الروايات أنه صاح:
وا إسلاماه!
ثم اندفع مع جنوده.
وانكسر التوازن.
وقُتل كتبغا.
وسقط الجيش المغولي.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة،
كان المغول هم الذين يتراجعون.
لم تكن مجرد هزيمة
هنا يجب أن نتوقف قليلًا.
لأن عين جالوت لم تكن مجرد معركة انتصر فيها المماليك.
المسألة كانت أعمق.
المغول كانوا قد بنوا حول أنفسهم أسطورة.
جيش يأتي من الشرق فيهدم.
ويتقدم فيهرب الآخرون.
بغداد سقطت.
وفارس خضعت.
والشام ارتجفت.
والمدن التي سمعت باسم المغول كانت تعرف أن المقاومة قد تعني الموت.
لكن عين جالوت قالت شيئًا جديدًا،
المغول يمكن هزيمتهم.
وهذه الفكرة وحدها كانت زلزالًا.
فالمعركة لم تُنهِ المغول.
ولم تُسقط دولة هولاكو.
لكنها أوقفت اندفاعهم نحو مصر.
وأعادت الشام إلى يد المماليك.
واستعادت دمشق.
وتغير ميزان القوى في المنطقة.
لكن التاريخ كان قد بدأ يفتح ستارًا آخر.
لأن الانتصار الخارجي لا يعني دائمًا انتهاء الصراع الداخلي.
وأحيانًا يكون أخطر ما يحدث بعد الانتصار هو السؤال:
من سيحكم بعد أن انتهى الخطر؟
من عين جالوت إلى القاهرة
عاد قطز من الشام منتصرًا.
كان الرجل الذي أنقذ مصر من واحدة من أخطر القوى العسكرية في عصره.
وكان من الطبيعي أن يدخل القاهرة بطلًا.
لكن السياسة لا تعرف دائمًا معنى البطولة.
ولا تنسى بسهولة من كان يتمنى شيئًا آخر.
كان قطز قد وصل إلى السلطنة في ظروف استثنائية.
مصر كانت مهددة.
الخلافات بين الأمراء كانت خطيرة.
والخطر المغولي كان على الأبواب.
فاحتاجت البلاد إلى رجل يجمع القوة في يده.
لكن بعد عين جالوت تغير كل شيء.
لم يعد الخطر المغولي واقفًا على أبواب مصر.
وعندما يختفي الخطر الخارجي،
تظهر أحيانًا الخلافات التي أخفاها الخطر.
وكان داخل دولة المماليك رجال لهم طموحات.
وكان بينهم رجل اسمه بيبرس.
الرجل الذي لعب دورًا مهمًا في عين جالوت.
الرجل الذي عرف القتال.
وعرف السياسة.
وعرف أيضًا أن السلطنة لا تبقى طويلًا لمن لا يملك القوة الكافية لحمايتها.
ماذا حدث بين قطز وبيبرس؟
هنا تختلف الروايات.
فالتفاصيل الدقيقة لما جرى بين الرجلين بعد عين جالوت ليست واحدة في المصادر.
لكن المؤكد أن العلاقة لم تستمر على الصورة التي توحي بها لحظة الانتصار.
قطز أصبح سلطانًا.
وبيبرس أصبح أحد أقوى الأمراء.
والانتصار الذي جمعهما في ساحة المعرك،لم يمنع السياسة من أن تضعهما في طريقين مختلفين.
تذكر الروايات أن بيبرس كان يطلب من قطز ولاية حلب مكافأة له على دوره في الحرب.
لكن قطز لم يمنحه ما أراد.
ومهما كانت التفاصيل الدقيقة،
فشيئًا فشيئًا بدأ التوتر.
وكانت دولة المماليك لا تزال دولة حديثة.
لم يكن الحكم فيها ينتقل بالضرورة من الأب إلى الابن.
بل كان السيف حاضرًا في صناعة السلطان.
وكان الأمير الذي يملك الرجال والنفوذ يستطيع أن يقترب من العرش.
وأحيانًا يستطيع أن يزيح من يجلس عليه.
الرجل الذي هزم المغول لم يصل إلى القاهرة
خرج قطز من الشام عائدًا إلى مصر.
كان يظن أنه عائد إلى القاهرة منتصرًا.
إلى عرشٍ أصبح أكثر قوة بعد عين جالوت.
لكن الطريق إلى القاهرة كان يخفي شيئًا آخر.
شيئًا لم يكن قطز يعرفه.
في أواخر سنة 1260م، وبينما كان الجيش في طريق العودة، تحركت مجموعة من الأمراء.
وكان بيبرس بينهم وفق الرواية الأشهر.
وهنا بدأت النهاية.
تذكر المصادر روايات متعددة في تفاصيل مقتل قطز، ومكانه وكيفية وقوعه.
لكن الثابت أن السلطان الذي هزم المغول لم يعد إلى القاهرة سلطانًا.
قُتل قطز.
الرجل الذي لم يمضِ على سلطانه إلا نحو عام.
الرجل الذي خرج من القاهرة لإنقاذها
وعاد من عين جالوت منتصرًا
ثم سقط قبل أن يدخلها.
يا للمفارقة!
لقد استطاع قطز أن يواجه أخطر جيش في عصره.
لكنه لم يستطع أن ينجو من الصراع داخل دولته.
وهنا يظهر بيبرس
بعد مقتل قطز،لم يكن العرش شاغرًا طويلًا.
كان هناك رجل يعرفه الجيش.
ويعرفه الأمراء.
ويعرفه التاريخ.
بيبرس.
ذلك المملوك الذي صعد من صفوف المماليك إلى قيادة الجيوش،ثم إلى المشاركة في إنقاذ مصر،ثم إلى عين جالوت،ثم إلى الطريق المؤدي إلى السلطنة.
وهكذا، في نهاية سنة 1260م تقريبًا، جلس بيبرس على عرش مصر.
وأصبح الملك الظاهر ركن الدين بيبرس.
لكن وصوله إلى العرش لم يكن نهاية القصة.
بل كان بداية واحدة من أهم المراحل في تاريخ دولة المماليك.
لأن بيبرس لم يرث دولة مستقرة.
بل ورث دولة محاطة بالأعداء.
المغول في الشرق.
الصليبيون في الساحل.
وبقايا القوى الأيوبية لم تختفِ تمامًا.
والخلافة العباسية سقطت في بغداد.
والمنطقة كلها كانت تعيد تشكيل نفسها.
وكان على الرجل الجديد أن يقرر
هل يكتفي بأنه وصل إلى السلطنة؟
أم يبني دولة تستطيع البقاء؟
ومن وراء الستار ،
كان التاريخ يستعد لمرحلة جديدة.
فقطز أوقف العاصفة.
أما بيبرس،فكان عليه أن يتعامل مع آثارها.
وأن يعيد بناء القوة التي خرجت من عين جالوت.
وأن يواجه المغول مرة أخرى.
وأن يضرب الوجود الصليبي في الشام.
وأن يمنح القاهرة دورًا جديدًا في العالم الإسلامي.
لم تنتهِ العاصفة
قد يظن القارئ أن عين جالوت أنهت الخطر المغولي.
لكن الحقيقة مختلفة.
هولاكو لم يستسلم.
والدولة الإيلخانية لم تختفِ.
بل بدأت مرحلة جديدة من الصراع بين المماليك والمغول.
صراع استمر سنوات طويلة.
وكان بيبرس يعرف أن ما حدث في عين جالوت لم يكن إلا المعركة الأولى.
فالمغول سيعودون.
والصليبيون لا يزالون في مدن الساحل.
والشرق الإسلامي لم يخرج بعد من قرن الكوارث.
لكن شيئًا واحدًا تغير.
لم يعد المماليك يدافعون عن مصر فقط.
لقد أصبحوا القوة الكبرى التي تقف في وجه المغول والصليبيين معًا.
وبدأت القاهرة تتحول إلى مركز سياسي وعسكري لا يمكن تجاهله.
أما بيبرس،فلم يكن من الرجال الذين يكتفون بالبقاء.
كان يريد أن يبني.
وأن يضرب.
وأن يوسع نفوذه.
وأن يعيد ترتيب المنطقة كلها.
ومن هنا تبدأ حكاية أخرى
منذ سنوات،كنا نتابع سقوط دول وصعود أخرى.
رأينا صلاح الدين وهو يعيد توحيد مصر والشام.
ثم رأينا أبناءه وهم يتقاسمون ميراثه.
ورأينا الخوارزميين يدخلون الشام.
ثم رأينا لويس التاسع يصل إلى مصر.
ثم رأينا الأيوبيين ينسحبون من المشهد المصري.
ثم خرج المماليك من الظل.
وسقطت بغداد.
وجاء هولاكو.
ثم وقف قطز وبيبرس في عين جالوت.
وانكسرت العاصفة.
لكن التاريخ لم يتوقف.
بل انتقل إلى يد رجل جديد.
رجل لم يكن يريد فقط أن يحكم مصر.
كان يريد أن يجعل من مصر قلبًا لدولة تواجه أخطر القوى التي عرفها القرن الثالث عشر.
وهكذا،من بين دماء قطز صعد بيبرس.
ومن فوق عرش مصر بدأ فصل جديد.
فصل السلطان الذي لم ينتظر عودة المغول بل ذهب يبحث عنهم.
في المقال القادم
حين عادت الخلافة إلي مصر وجلس بيبرس عرش مصر
كيف تحول الرجل الذي شارك في قتل قطز إلى واحد من أعظم سلاطين المماليك؟
وكيف أعاد بناء الجيش والدولة؟
ولماذا لم يكتفِ بمواجهة المغول؟
وكيف أعاد للخلافة العباسية اسمًا جديدًا في القاهرة؟
هنا تبدأ حكاية بيبرس لا بوصفه سلطانًا فقط، بل بوصفه الرجل الذي سيعيد رسم خريطة المشرق من جديد.








