مقالات

مجدى طنطاوى يكتب صناعة الخصوم من المال المسيحي إلى دولة الإخوان والسلفيين

مجدى طنطاوى يكتب* *صناعة الخصوم.. من المال المسيحي إلى دولة الإخوان والسلفيين* *مصر لا تحتاج إلى أن ينتصر المسلم على المسيحي* *مصر تحتاج ان ينتصر الوطن على الجميع*

*مجدى طنطاوى يكتب*

*صناعة الخصوم.. من المال المسيحي إلى دولة الإخوان والسلفيين*

*مصر لا تحتاج إلى أن ينتصر المسلم على المسيحي*

*مصر تحتاج ان ينتصر الوطن على الجميع*

 

حين تريد القوى الكبرى إضعاف دولة بحجم مصر فإنها لا تحتاج دائما إلى إرسال جندي واحد إلى أرضها يكفي أن تجعل الدولة مشغولة بنفسها وأن يتحول المجتمع إلى ساحات متصارعة وأن يصبح كل تيار خائفا من التيار الآخر وكل جماعة تبحث عن سند خارج حدود الوطن

ومن هنا تبدأ الحكاية

بدأ الأمر بالاقتصاد حين فتحت مصر أبواب الانفتاح أمام رأس المال الأجنبي والعربي في السبعينيات ومع التحول نحو اقتصاد السوق بدأت طبقة جديدة من رجال الأعمال تكبر وتزداد نفوذا وتتشابك مصالحها مع الخارج وتشير الدراسات إلى أن سياسة الانفتاح منذ 1974 ارتبطت بجذب رؤوس الأموال الغربية والعربية وبالتحول في السياسة الخارجية المصرية نحو الولايات المتحدة وأن القطاع الخاص أصبح مع الوقت قوة اقتصادية ضخمة في مصر

وفي هذه البيئة جرى دعم وصعود بعض رجال الأعمال المسيحيين الذين امتلكوا إمبراطوريات اقتصادية وإعلامية وتجارية وصار لبعضهم وزن يتجاوز مجرد النشاط الاقتصادي إلى التأثير في المجال العام وهذه ليست دعوة لاتهام الأقباط ولا للطعن في نجاح رجال الأعمال المسيحيين وإنما هي قراءة سياسية لسؤال أكبر كيف يمكن صناعة مراكز قوة اقتصادية واجتماعية متوازية داخل دولة واحدة بحيث يصبح المال نفسه أحد أدوات الصراع على النفوذ

ثم جاء الدين

فإذا كان هناك مركز قوة اقتصادي واجتماعي فلا بد من مراكز أخرى تقابله

جماعة الإخوان

ثم التيارات السلفية

ثم الحركات الإسلامية المختلفة

ثم التيارات العلمانية والليبرالية واليسارية

ثم الأصوات الإلحادية المتطرفة

ثم الخطاب الطائفي

ثم خطاب الكراهية

وكلما ظهر تيار ظهر في مواجهته تيار آخر حتى أصبح المجتمع المصري كأنه مجموعة جزر لا وطن واحد

والأخطر أن الخارج لم يكن دائما بعيدا عن هذه اللعبة

فالوثائق الأمريكية تكشف أن واشنطن أقامت اتصالات مع قيادات الإخوان في خمسينيات القرن الماضي وأن هذه الاتصالات ارتبطت في بعض مراحل الحرب الباردة بمحاولة احتواء النفوذ الشيوعي والسوفيتي في مصر والمنطقة

وهنا نفهم قاعدة السياسة الكبرى

ليس ضروريا أن تصنع القوة الكبرى كل تيار من الصفر

يكفي أن تجد تيارا موجودا فتدعمه في لحظة وتستخدمه في لحظة وتضغط عليه في لحظة أخرى وفقا لمصالحها

وهكذا تصبح الجماعة ورقة

والطائفة ورقة

ورجل الأعمال ورقة

والإعلام ورقة

والتيار الديني ورقة

والتيار الليبرالي ورقة

والخلاف الفكري ورقة

والخوف الطائفي ورقة

والمحصلة دولة منشغلة بالصراع الداخلي

ثم يأتي الدور الأخطر

أن تصنع لكل قوة خصما

إذا قويت الجماعات الإسلامية جرى تقديم التيار العلماني باعتباره الحائط المقابل

وإذا ارتفع صوت العلمانيين جرى دفع التيارات الدينية إلى المواجهة

وإذا تصاعد الاحتقان بين المسلمين والمسيحيين أصبح كل طرف يبحث عن حماية من الخارج

وإذا ظهر رجل أعمال شديد النفوذ أصبح المال السياسي طرفا في الصراع

وإذا غضب الفقراء من الأغنياء تحول الغضب إلى طبقية

وإذا غضب المتدينون من العلمانيين تحول الخلاف إلى معركة على هوية الدولة

وهكذا لا يعود المصري يسأل كيف نبني مصر وإنما يسأل من سيهزم من

وهنا تكون الكارثة قد اكتملت

لأن واشنطن وأوروبا وإسرائيل لا تحتاج إلى أن تتفق على كل شيء فيما بينها حتى تضغط على مصر فكل قوة تتحرك وفقا لمصالحها لكن النتيجة قد تلتقي عند نقطة واحدة وهي أن تظل مصر في حاجة إلى الخارج وألا تتحول إلى قوة إقليمية مستقلة تمتلك اقتصادا قويا وقرارا مستقلا وقدرة على التأثير

أما إسرائيل فهي تدرك أكثر من غيرها معنى أن تستعيد مصر كامل ثقلها الإقليمي

وأما أوروبا فتريد مصر مستقرة وقادرة على حماية مصالحها في المتوسط والهجرة والطاقة وقناة السويس

وأما واشنطن فتريد شريكا استراتيجيا يحافظ على توازنات المنطقة ومصالحها

كل طرف له حساباته

لكن مصر يجب أن تكون لها حساباتها أيضا

وهنا يأتي السؤال الذي يجب أن يصحو له العرب

لماذا نساعد نحن الآخرين على تفكيكنا

لماذا يتحول المسلم إلى خصم للمسيحي

ولماذا يصبح السلفي خصما للإخواني

ولماذا يصبح الإخواني خصما للعلماني

ولماذا يصبح الليبرالي خصما للمتدين

ولماذا يصبح الغني خصما للفقير

ولماذا يصبح رجل الأعمال عدوا للدولة

ولماذا يصبح الاختلاف الفكري سببا للكراهية

هذه هي اللعبة الحقيقية

أن تجعل المصري يرى المصري عدوا له

فإذا نجحت هذه اللعبة فلا تحتاج إلى احتلال مصر

مصر ستستهلك قوتها بنفسها

ولهذا فإن أخطر معركة تخوضها مصر اليوم ليست مع أمريكا وحدها ولا مع أوروبا وحدها ولا مع إسرائيل وحدها وإنما مع كل محاولة لتحويل المجتمع المصري إلى طوائف ومراكز نفوذ متصارعة

مصر لا تحتاج إلى أن ينتصر المسلم على المسيحي

ولا أن ينتصر السلفي على الليبرالي

ولا أن ينتصر رجل الأعمال على الدولة

ولا أن ينتصر تيار على تيار

مصر تحتاج أن ينتصر الوطن على الجميع

لأن الدولة التي تتماسك داخليا وتملك اقتصادها وصناعتها وغذاءها وسلاحها وعلمها وإعلامها وقرارها السياسي لا يستطيع الخارج أن يديرها بسهولة

أما الدولة التي تظل تبحث عن حليف يحميها من أبنائها فستظل أسيرة لمن يملك المال والسلاح والتمويل والقرار

هم يعرفون كيف يستخدمون خلافاتنا

ونحن ما زلنا لا نعرف كيف نتوقف عن صنعها

زر الذهاب إلى الأعلى