صدى مصرمقالاتمنوعات

حين يتحول الضعف و الاحتياج إلى بابٍ للاستغلال

حين يتحول الضعف و الاحتياج إلى بابٍ للاستغلال

 

بقلم: أ/ هبة احمد شاهين

في بعض الحكايات، لا يكون أكثر ما يؤلمنا هو ما يفعله المستغِل بالإنسان، بل اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان نفسه بالتنازل عن حقه في الاختيار.

ومن هذه الزاوية يمكن أن نتوقف أمام فكرة رواية «المغفلة»؛ ليس باعتبارها حكاية عن شخص استُغل فحسب، وإنما باعتبارها سؤالًا إنسانيًا مهمًا:

“ماذا يحدث للإنسان حين تجتمع عليه الحاجة، والخوف، وقلة الخبرة، ثم يجد أمامه من يعرف كيف يستفيد من كل ذلك؟”

الاستغلال لا يبدأ دائمًا بعنف واضح. أحيانًا يبدأ بكلمة طيبة في وقت الاحتياج، أو بمساعدة تبدو بريئة، أو بوعد بالخروج من أزمة، ثم تتغير الحدود تدريجيًا.

وهنا يحدث شيء أخطر من الاستغلال نفسه؛ و هو تغير إدراك الإنسان لقدرته على المقاومة.

كلما طال الاستسلام، بدأ العقل في البحث عن مبررات له:

«ماذا أفعل؟»

«ليس أمامي حل آخر.»

«ربما تتحسن الأمور.»

«على الأقل لدي من يساعدني.»

وهذه ليست دائمًا علامات غباء أو سذاجة.

فالإنسان تحت الضغط لا يفكر بالطريقة نفسها التي يفكر بها وهو آمن ومستقر.

الخوف يضيّق مساحة الاختيارات في ذهنه، والحاجة تجعله يرى الحل القريب أكبر من الخطر البعيد، والوحدة قد تجعله يتمسك بمن يؤذيه لمجرد أنه الشخص الوحيد الموجود.

وهنا يصبح الاستغلال أكثر ذكاءً من أن يكون مجرد خداع.

إنه أحيانًا يستفيد من احتياج حقيقي داخل الإنسان.

لكن فهم أسباب الاستسلام لا يعني تبريره.فالظروف تستحق التعاطف، لكنها لا يجب أن تتحول إلى تصريح مفتوح للآخرين بانتهاك حدودنا.

ولهذا فإن حماية الإنسان لا تكون فقط بأن نقول له: «كن قويًا».

فالإنسان لا يصبح قويًا بمجرد أن نطالبه بالقوة.

نحن نحتاج أن نعلّمه كيف يكون واعيًا:

“أن يعرف حقوقه، وأن يسأل، وأن يستشير، وأن يراجع قراراته، وأن يلاحظ متى تتحول المساعدة إلى سيطرة، ومتى يتحول الاحتياج إلى تبعية، ومتى يصبح الصمت مشاركة في استمرار الأذى.

والوعي هنا لا يعني أن نعيش في خوف من الآخرين.

الوعي أن تثق دون أن تلغي عقلك، وأن تحب دون أن تلغي حدودك، وأن تحتاج إلى الآخرين دون أن تسلمهم زمام حياتك.

والأهم أن ندرك أن الخروج من دائرة الاستغلال لا يحتاج دائمًا إلى خطوة بطولية واحدة.

أحيانًا يبدأ بكلمة صغيرة:

«لا.» أو بسؤال:

«لماذا أقبل بهذا؟»

أو باعتراف صادق:

«أنا أخاف أن أرفض، لكن هذا لا يعني أن ما يحدث صحيح.»

ومن هنا يبدأ استرداد الإنسان لنفسه.

ربما لا نستطيع اختيار كل الظروف التي نمر بها، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف لا نسمح للظروف بأن تصنع منا أشخاصًا مستسلمين لها.

فالضعف مرحلة… وليس هوية.

والاحتياج ظرف… وليس إذنًا بالاستغلال.

والخطأ تجربة… وليس حكمًا مؤبدًا.

وأحيانًا لا تكون القوة في أن تواجه العالم كله،

بل في أن تستعيد حقًا بسيطًا جدًا: “أن يكون لك رأي في حياتك، وحدود تحميك، وقرار لا يُتخذ بدلًا منك.”

وهذا ربما هو الدرس الأعمق:

¤ان الاستغلال لا يبدأ دائمًا حين يؤذيك الآخر… أحيانًا يبدأ حين تقنع نفسك أنك لا تستطيع أن ترفض

¤لا تلوم الإنسان على ضعفه، لكن ساعده على ألا يسكن فيه.

ولا تمنحه شفقة تُبقيه عاجزًا، بل وعيًا يعيده إلى نفسه.

زر الذهاب إلى الأعلى