المنافق وشاهد الزور وكاتم الشهادة.. ثلاثية تهدم الحق وتُفسد الضمائر
كتب / ممدوح عكاشة
ليس كل ظلمٍ يأتي في صورة اعتداء، وليس كل ظالم يحمل سلاحًا أو يرفع صوته في وجه الآخرين.
أحيانًا يكون الظلم كلمة كاذبة، وأحيانًا يكون شهادة زور، وأحيانًا يكون صمتًا متعمدًا عن الحقيقة.
وهنا تظهر ثلاثة نماذج خطيرة في المجتمع: المنافق، وشاهد الزور، وكاتم الشهادة.
المنافق.. صاحب الوجوه المتعددة
المنافق لا يملك موقفًا ثابتًا، وإنما يغيّر مواقفه بحسب الأشخاص والمصالح.
يبتسم في وجه من يحتاج إليه، ويمدحه أمامه، ثم يطعنه من خلفه. وإذا تغيّر ميزان القوة، تغيّر معه كلامه وموقفه.
المشكلة ليست في اختلاف الرأي، فالاختلاف حق، وإنما المشكلة في أن يبيع الإنسان مبدئه من أجل مصلحة، ويقول لكل شخص ما يريد أن يسمعه.
وقد حذر القرآن الكريم من النفاق، وجعل له منزلة شديدة الخطورة، لأن المنافق يُظهر شيئًا ويُبطن شيئًا آخر.
وشاهد الزور.. عندما تتحول الكلمة إلى ظلم
أما شاهد الزور، فهو أخطر من مجرد منافق؛ لأن شهادته قد تكون سببًا في ضياع حق إنسان، أو تشويه سمعته، أو إلحاق الضرر به.
وشهادة الزور ليست مجرد كذبة عابرة؛ إنها كلمة قد تغيّر مصير إنسان.
وقد شدد النبي ﷺ في التحذير من قول الزور وشهادة الزور، وجاء في الحديث المتفق عليه أنه عدّهما من كبائر الذنوب.
فيا من تقف لتشهد على إنسان…
تذكر أن الكلمة التي تخرج من فمك قد لا تستطيع إعادتها مرة أخرى.
لا تشهد لأنك تريد إرضاء مسؤول، ولا لأنك تخاف صاحب نفوذ، ولا لأن بينك وبين شخص خلافًا.
اشهد بما رأيت، لا بما يريدون منك أن تقول.
وكاتم الشهادة.. الصامت الذي يعرف الحقيقة
وهناك نموذج ثالث قد يظن البعض أنه بعيد عن المسؤولية: كاتم الشهادة.
إنسان رأى الحقيقة، ويعرف ما حدث، ويستطيع أن يوضح الأمر، لكنه يختار الصمت.
يصمت خوفًا…
أو طمعًا…
أو مجاملة…
أو حفاظًا على علاقة…
أو انتظارًا لمصلحة.
والقرآن الكريم لم يترك هذه المسألة دون تحذير، فقال الله تعالى:
﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾
[البقرة: 283]
فإذا كنت تعرف الحقيقة، وكانت شهادتك لازمة لإظهار الحق، فإن الصمت المتعمد ليس دائمًا موقفًا محايدًا.
المصيبة عندما يجتمع الثلاثة
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يجتمع النفاق مع شهادة الزور مع كتمان الحقيقة.
واحد يغيّر موقفه حسب مصلحته، والثاني يقول ما ليس صحيحًا، والثالث يعرف الحقيقة لكنه يصمت.
وهنا يصبح الباطل قويًا، ليس لأنه يملك الحقيقة، وإنما لأن أصحاب الحقيقة اختاروا الصمت.
وقد يخسر المظلوم قضية، أو يخسر إنسان سمعته، أو يُحاسب بريء، أو يحصل شخص على حق ليس له، فقط لأن بعض الناس قرروا أن تكون مصالحهم أهم من الحقيقة.
ولكن للحقيقة موعدًا
قد يستطيع الإنسان أن يخدع بعض الناس لبعض الوقت، وقد يستطيع أن يختبئ خلف منصب أو علاقة أو نفوذ، لكن الحقيقة لا تختفي إلى الأبد.
فالوثائق تظهر، والمواقف تُراجع، والشهود قد يتراجعون، والأيام تكشف ما حاول البعض إخفاءه.
والأهم من ذلك كله أن الإنسان مهما أفلت من حساب البشر، فلن يفلت من حساب الله.
لذلك لا تجعل خوفك من إنسان يدفعك إلى ظلم إنسان آخر.
ولا تجعل مصلحتك أغلى من ضميرك.
ولا تجعل مجاملة شخص سببًا في كسر خاطر مظلوم.
كلمة أخيرة
إلى المنافق: كن صاحب موقف، ولا تجعل لسانك يتغير بتغير الأشخاص.
إلى شاهد الزور: اتق الله، فكلمتك قد تظلم إنسانًا لا ذنب له.
إلى كاتم الشهادة: إذا كنت تعرف الحقيقة وكان الحق يحتاج إلى شهادتك، فلا تجعل الصمت شريكًا في الظلم.
فالناس قد تنسى ما قلت، وقد تنسى ما فعلت، لكن الضمير لا ينسى، والتاريخ قد يعيد فتح الملفات، وحساب الله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
وفي النهاية…
ليست البطولة أن تقف مع الأقوى، وإنما أن تقف مع الحق.
وليست الشجاعة أن تقول ما يرضي الناس، وإنما أن تقول الحقيقة حتى عندما لا ترضي أحدًا.
فالمنافق يبيع موقفه، وشاهد الزور يبيع شهادته، وكاتم الشهادة يبيع صمته… أما صاحب الضمير فلا يبيع الحقيقة مهما كان الثمن.








