*مجدى طنطاوى يكتب*
*يابن،،،،،، أديب….*
*مصر أكبر من خصومة الميكروفونات*
استمعت إلى جزء من حديث الإعلامي عمرو أديب في حلقة برنامجه «الحكاية» يوم 18 سبتمبر 2026 وهو يعلن رفضه عودة من وصفهم بالمحرضين على الدولة المصرية في الخارج ويرى أن التصالح معهم أو السماح لهم بالعودة أمر غير مقبول مستندا إلى ما شهدته مصر خلال سنوات سابقة من عمليات إرهابية وسقوط ضحايا وخسائر اجتماعية واقتصادية وأنا هنا لا أناقش حق أديب في أن يكون له موقفه ولا حق الدولة في أن تحاسب من ارتكب جريمة أو حرض على العنف فهذه مسائل لا ينبغي أن تخضع للعواطف ولا للمزايدات وإنما للقانون والأدلة والأحكام القضائية لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل تبقى مصر أسيرة خصومات الماضي إلى الأبد وهل يصبح الانقسام قدرا دائما لهذا الوطن؟ مصر ليست برنامجا تلفزيونيا ولا معركة بين مذيع ومعارض ولا ينبغي أن تتحول قضية المصالحة الوطنية إلى تصفية حسابات أو إلى امتحان في الوطنية يوزع فيه البعض صكوك الانتماء على المصريين فمصر أكبر من كل ذلك شعبا ودولة وجيشا وشرطة ومؤسسات وأرضا وتاريخا ومستقبلا ومن حقها أن تبحث عن كل وسيلة تعيد بها جمع أبنائها حول الدولة والقانون والمصلحة الوطنية ومن أخطأ أو أفسد أو قتل أو حرض على العنف فليحاسب على ما ارتكبه وفق القانون ولا ينبغي أن تختلط العدالة بالتشفي ولا المحاسبة بالانتقام وفي الوقت نفسه فإن من لم تثبت عليه جريمة جنائية لا ينبغي أن يبقى ممنوعا من العودة إلى وطنه لمجرد أن صوته كان معارضا أو أن خطابه كان مستفزا فالمعارضة شيء والتحريض على العنف شيء آخر والخلاف مع الدولة شيء وارتكاب الجريمة شيء ثالث وهذه الفروق هي التي تحفظ للدولة هيبتها وللقانون معناه أما أن نضع الجميع في سلة واحدة ثم نغلق أبواب الوطن أمامهم إلى ما لا نهاية فذلك لا يصنع دولة قوية وإنما يطيل عمر الخصومة ويترك الجرح مفتوحا ومن الغريب أن يتحول شعار «احترام دماء الشهداء» إلى مبرر لإبقاء المجتمع منقسما بينما تكريم الشهداء الحقيقي يكون ببناء دولة تمنع تكرار المأساة وتغلق أبواب العنف وتحفظ حق الضحايا وتحمي المجتمع من الانتقام الجماعي كما أن مواجهة الخطاب المعادي للدولة لا تكون دائما بالصراخ في وجهه وإنما بإعلام أقوى وحجة أقوى ومؤسسات أكثر ثقة وعدالة أكثر وضوحا فالمجتمعات لا تُبنى بمنع الخصوم من الكلام وإنما بإعلاء القانون حتى يصبح الوطن هو المرجعية الوحيدة للجميع
ورغم ذلك ارفض تماما التلميح الى عمالة عمرو اديب و الحديث عنه كواحد من أشخاص يمولون أو ينفذون أجندات خارجية أو يسعون إلى شق الصف فلا بد أن يستند اى اتهام إلى أدلة واضحة لا إلى الانطباعات لأن الاتهام بلا دليل يتحول هو نفسه إلى وقود جديد للانقسام وقد حصل عمرو أديب بالفعل على الجنسية السعودية إلى جانب المصرية وأعلن وقتها أنه يرى في ذلك مسؤولية وأنه يأمل أن يكون جسرا بين مصر والسعودية ومن ثم فإن اختلاف الناس مع مواقفه الإعلامية لا ينبغي أن يتحول هو الآخر إلى تشكيك في وطنيته أو في ولائه لأن الجنسية وحدها ليست معيارا للحكم على وطنية إنسان كما قال هو نفسه في مناسبة سابقة وفي النهاية فإن القضية التي تحتاجها مصر ليست معركة بين «معارض الداخل» و«معارض الخارج» ولا بين من يرفعون شعار التسامح ومن يرفعون شعار العقاب القضية الحقيقية هي كيف نحمي الدولة ونصون دماء الضحايا ونحاسب من ارتكب جريمة ونفتح في الوقت نفسه باب العودة أمام من لم تثبت إدانته ونضع الجميع تحت سقف القانون مصر لا تحتاج إلى خصومة دائمة مصر تحتاج إلى مصالحة مسؤولة وعدالة واضحة وذاكرة لا تنسى الشهداء لكنها لا تجعل من دمائهم ذريعة لتوريث الكراهية للأجيال القادمة فمصر التي استطاعت أن تعبر أزمات أكبر من خلافات السياسيين والإعلاميين قادرة أيضًا على أن تجمع أبناءها من جديد ولكن بشرط واحد أن تكون الدولة والقانون فوق الجميع وأن تكون مصر أكبر من العداء المطلق.








