صدى مصرمقالاتمنوعات

كبش الفداء في مصيدة الإنتاج: حين يُساق العامل إلى السجن حمايةً لرأس المال

كبش الفداء في مصيدة الإنتاج:

حين يُساق العامل إلى السجن حمايةً لرأس المال

 

بقلم: شريف السبع

​في أدبيات الصراع الاقتصادي الحديث، لم يعد استغلال العمال يقتصر على اقتطاع الفائض المالي من أجورهم، أو اعتصار جهدهم العضلي في صالات الإنتاج لساعات طويلة تحت وطأة بيئات عمل تفتقر لأبسط معايير السلامة. لقد طوّرت المنظومة حلقة جديدة أكثر شراسة؛ حلقة يتحول فيها العامل من مجرد “ترس” يُستبدل عند عطل الآلة، إلى “كبش فداء” و”درع بشري” يُدفع به إلى خطوط المواجهة الأولى مع السلطات، ليتحمل عن أصحاب المال والقرارات التبعات الجنائية والقانونية عند نشوب الأزمات.

​أقنعة المسؤولية.. من يملك رأس المال ومن يدفع الثمن؟

​في الشركات والمؤسسات الكبرى، يجري ببراعة هندسة ما يُسمى بـ “التنصل البنيوي من المسؤولية”. يتخذ أصحاب المنشآت وكبار المساهمين السياسات والتوجيهات التي تُعلي الأرباح على حساب الأمان التشغيلي، أو تلك التي تلتف على اشتراطات القانون وضوابطه. لكن، وحين تقع الكارثة — سواء بحادث صناعي جسيم، أو بمخالفات تنظيمية وضريبية، أو عند انفجار النزاعات الميدانية — تتوارى هذه القيادات خلف شبكات المعاملات المعقدة والشخصيات الاعتبارية للشركات.

​في المقابل، يُترك المشرف المباشر، أو المهندس الفني، أو القيادي العمالي الميداني في المواجهة المباشرة. يُستدعى هؤلاء أمام النيابات وأجهزة التحقيق بصفتهم “المسؤولين المباشرين” عن الموقع أو الشفت، فيُقادون إلى غيابات السجون وأروقة المحاكم، محملين بجريرة قرارات لم يصنعوها، وسياسات لم يملكون حق اعتراضها.

​تجريم المطالبة.. عندما تتحول المظلمة إلى تهمة

​تصل هذه المأساة ذروتها حين يقرر العمال الخروج عن الصمت والمطالبة بأبسط حقوقهم المشروعة؛ كالمطالبة بأجر عادل يقي عائلاتهم غائلة التضخم، أو تحسين بيئة العمل الشاقة، أو الوفاء بالاشتراطات التأمينية. هنا، تبدأ الماكينة القانونية والإعلامية للمنشأة في تحريف طبيعة النزاع؛ فلا يُنظر إلى القضية كخلاف بين عامل يُسلب حقه وصاحب عمل يمتنع عن السداد، بل تُعاد صياغتها كـ “تهديد للاستقرار الاقتصادي”، أو “تعطيل لعجلة الإنتاج”، أو “إضرار بالسلم العام”.

​وبدلاً من أن تتدخل السلطات لتفتيش المنشأة وضبط المخالفات المنسوبة للإدارة، يجد العمال أنفسهم في مواجهة أجهزة إنفاذ القانون. تُفرَغ مطالبهم من مضمونها الاجتماعي والإنساني، وتُلبَس لبوس التهم المعلبة، ليتحول الداعي لإصلاح بيئة العمل أو المطالب بلقمة العيش إلى متهم خلف القضبان.

​تصفية القيادات وإرهاب القاعدة

​إن الزج بالقيادات العمالية في السجون لا يهدف فقط إلى إنهاء نزاع وقتي، بل يتعداه إلى تحقيق وظيفة ترهيبية شاملة لـ “جيش العمل”. يدرك رأس المال أن حرمان الحركة العمالية من عقولها المنظمة وقياداتها الميدانية هو أقصر الطرق لكسر إرادتها الجماعية. وحين يرى العامل العادي زميله أو مشرفه يُساق إلى المحاكمة لمجرد أنه كان لساناً يعبر عن المظالم، يسود الصمت وتُشل الحركة، وتصبح خشية السجن حارسًا إضافيًا لضمان استمرار الدوران القسري للآلات.

​نحو إعادة الاعتبار لمفهوم العدالة

​إن استمرار تحويل العمال إلى دروع بشرية لحماية التراكم المالي يُعد طعنة في جوهر فلسفة العدالة والقانون. لا يمكن للتشريعات أن تكون عادلة إذا كانت تُعفي من يملك أصول الإنتاج وقراره من المساءلة الفعلية، بينما تلاحق من لا يملك سوى قوة عمله وساعات يومه.

​إن المواجهة الحقيقية لهذه الظاهرة تبدأ من تفكيك النص القانوني الذي يتيح للشخصيات الاعتبارية ومالكي رأس المال الإفلات من المسؤولية الجنائية المباشرة، وتوفير حماية قانونية حقيقية للعمل النقابي والمطالبات العمالية المشروعة، حتى لا يظل العامل هو الجدار القصير الذي تُحمَّل عليه أخطاء منظومة كاملة، وحتى لا تظل الحرية هي القربان الذي يقدمه الضعفاء على مذبح الأرباح.

زر الذهاب إلى الأعلى