“الحنين الجارف”…
بقلم / غادة محمد
اليوم عدت إلى مكان هوايتي بعد خمول، وانقطاع, بين كل فترة وأخرى وبين تارة وأخرى يزورني وميض الكلمات لتصبح محركات لدوافعي, فيخطوها قلمي في دفتري فتزخرفها الأشجان ويشاركها الوجدان ليدب فيها التعبير, ويصل إلى آذان وأبصار المطلع والمشغوف برؤية هذه الكلمات…
وحدث في هذا المكان ثلاثة أشياء, جعلتني أضحك وأتكلم وأشعر بالامتنان, وفى نهاية الطريق, خانني هذا الفرح السريع, وأجهشت البكاء وأنا في منتصف الطرقات بين السيارات, وبين الوجوه الكثيرة من حولي…
أولها… تتبعت عيني من كانت تحب رؤيتهم من بعيد فقط، ومن ثم ندوة تهتف حول مواضيع شاغرة كانت تجمع بين حبي للمتابعة وغموض الكتابة, ندوة تحاول إيقاظ روحي المستنزفة تحت درك الحياة وإجبارا فجائي لتتحول إلى إجبار مسيرة…
ثانيها… أمر جعلني أضحك, وظللت مبتسمة.. وهو فتاة اجتمعت بها معالم الرقة والجمال الفاتن لتعطيني وردة خفيفة مثلها دون أن تعرفني, دخلت قلبي حقًا. وأخذت صورة تجمعنا لتكون ذكرى رائحتها طيبة…
وثالثها… قطة جميلة, كأنها لوحة مخططة، ألوانها نادرة تجمع بين البرتقالي والزيتي والأسود, عيناها زيتونيان, كنت أريد رفيق ليسير وليفهم نظرات عينيّ, فوجدتها تستقبل منيّ هذا, وتتبع قدميّ, خفت منها قليلًا تحسبًا من أنها تقفز علّى أو تهجم غير عادتها, لكني رأيت أني قد ظلمتها, وسرعان ما اتجهت إلى طريقها الذي تعرفه أو اختارته لها…
وبالأخير… وجدت فتاة في حدود الصف الخامس الابتدائي, تتحدّث بين نفسها بثرثرة عن الوزير وعن المنهج وعن الحصص وأيضًا عن المعلمة وطبخها, بطريقة ساخرة؛هزلية, أو ربما في الواقع كوميديا سوداء… استوقفتني للحظات, نظرت إليها وأنا أتعجب, كيف ارتاحت لي وللتحدّث مع شخص غريب عنها, وكيف لهذه الصغيرة أن ترى التعليم هكذا, تثقله وهى لم تزل في ريعان صباها؟..
استقبلت هذا وأنا أضحك, وعلامة استفهام كبيرة مرتسمة على وجهي واندهاش, لكني مستمتعة في صمت أيضًا. ثم ذهبت هي الأخرى إلى طريقها…
فرحت للحظات, وحمدت الله على هذا اليوم وعلى هذه الأحداث العابرة الجميلة, وبعد انتهائي من حرف الهاء في كلمة الله, أجهشت بالبكاء لبضع ثوان, ثم انتبهت لأنني لا أريد أن يلاحظني أحد وأنا أبكي…
لا أعلم أسباب هذا البكاء حقًا, هل حدث لي “فلاش باك” على يومي بأكمله, أم على الأشياء التي أجبر عليها وألقت بي إلى خسارتي لهوايتي التي أحسها تضيع من بين يدي؟… فهي هوائي ودوائي… أم هو مجرد “الحنين الجارف” لهذا المكان والسؤال: ماذا فعل بي الزمان… على أرضه… وأصحابه؟!…








