صفيح هرمز الساخن وصناديق الكونغرس:
مستقبل المواجهة الإيرانية الأمريكية
بقلم د. يسرى حامد
شهدت العلاقات الإيرانية الأمريكية منعطفاً استراتيجياً بالغ التعقيد، حيث يمر المشهد الراهن بحالة من “الجمود الساخن” وحرب استنزاف دبلوماسية واقتصادية وعسكرية. ويأتي هذا بعد أشهر من الصراع العسكري المباشر الذي اندلع في فبراير 2026 عقب الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة، التي أعادت رسم التوازنات في طهران باغتيال المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، وصعود آية الله مجتبى خامنئي. واليوم، تتمحور الديناميكية الحاكمة لهذا الملف حول معادلة شديدة الحساسية تربط بين أمن الطاقة العالمي في مضيق هرمز وبين الحسابات الانتخابية الداخلية في واشنطن قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وبين المناورة الانتخابية الأمريكية وديناميكية “العصا والجزرة”
فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوضوح استبعاد توجيه ضربات عسكرية جديدة ضد إيران قبل موعد انتخابات التجديد النصفي المقرر عقدها في 3 نوفمبر 2026، متحدثاً عن وجود “مباحثات مثمرة” تجري عبر وسطاء إقليميين مثل قطر وعُمان. هذا التصريح لا يمكن فصله عن الضغوط الداخلية التي تواجهها إدارة ترامب؛ إذ أصبحت الحرب وتأثيراتها المباشرة على أسعار الوقود العالمية والتضخم مادة خصبة للجدل السياسي والقلق الشعبي الأمريكي.
ومع ذلك، فإن هذا التهدئة المؤقتة لا تعني تراجعاً في الاستراتيجية الأمريكية؛ فالتقارير الاستخباراتية والعسكرية تؤكد أن البنتاغون، بتوجيهات من البيت الأبيض، قد انتهى من إعداد خطط عملياتية بديلة تشمل شن هجمات مكثفة ومحددة تستمر لثلاثة أيام تستهدف ترسانة الصواريخ والمسيرات الإيرانية وبنيتها التحتية للطاقة في حال فشل المسار الدبلوماسي بعد الانتخابات. وتستمر واشنطن في فرض حصارها البحري الصارم على صادرات النفط الإيرانية لضمان استمرار أقصى درجات الضغط الاقتصادي.
بينما كانت المبادرة الإيرانية محاولة لكسر الحصار دون تقديم تنازلات جوهرية
فعلى الجانب الآخر، تجد طهران نفسها تحت وطأة ظروف اقتصادية وعسكرية بالغة القسوة نتيجة الحصار والضربات السابقة. ورغم ذلك، تحاول القيادة الإيرانية المناورة عبر ما يُعرف بـ”خطة الأيام السبعة” التي طرحها وزير الخارجية عباس عراقجي. وتقوم المبادرة الإيرانية على عرض إعادة فتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة البحرية مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي وتخفيف العقوبات الاقتصادية.
لكن المعضلة الأساسية تكمن في الشروط الأمريكية المقابلة؛ حيث تشترط واشنطن إحداث خفض ملموس ودائم في قدرات التخصيب النووي الإيرانية، وهو ما رفضه رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي بشكل قاطع، مؤكداً أن بلاده لن تتخلى عن تخصيب اليورانيوم. هذا التصلب الإيراني يعكس رغبة طهران في عدم التفاوض من موقف ضعف مطلق، وهو ما عبّر عنه الرئيس مسعود بزشكيان بالقول إن “المفاوضات تحت التهديد والضغط لن تنجح”.
الضغط الإقليمي عبر الوكلاء: جبهة اليمن كمثال
بينما تستمر المفاوضات غير المباشرة خلف الكواليس، تسعى إيران إلى تذكير واشنطن وحلفائها بالثمن الباهظ لاستمرار الحرب عبر تحريك أوراقها الإقليمية. وجاء التصعيد الأخير من قِبل جماعة الحوثي في اليمن واستهدافها لمطار الملك خالد في الرياض ليؤكد أن طهران قادرة على نقل كلفة الحرب إلى ساحات إقليمية حيوية، مما يفرض ضغوطاً إضافية على شبكة الحلفاء الإقليميين لأمريكا ويؤثر بشكل مباشر على استقرار أسواق النفط العالمية.
السيناريوهات المستقبيلة: تسوية تاريخية أم انفجار مؤجل؟
بناءً على المعطيات الراهنة، يتأرجح الوضع الإيراني الأمريكي بين مسارين رئيسيين عقب انتهاء الانتخابات الأمريكية في نوفمبر:
• سيناريو التسوية السياسية: قد تؤدي الضغوط الاقتصادية الخانقة على إيران، رغبةً من الإدارة الأمريكية في إغلاق ملف صراع طويل ومكلف، إلى التوصل لمذكرة تفاهم أو صيغة اتفاق جديدة مُعدلة. في هذا السيناريو، قد تقبل إيران بوضع قيود معينة على منشآتها النووية ومستوى النقاء في التخصيب مقابل حزمة إنقاذ اقتصادي تتيح لها إعادة تصدير نفطها وفتح مضيق هرمز بشكل دائم.
• سيناريو الانفجار العسكري (الخيار الصعب): إذا أصرت طهران على مواقفها بشأن التخصيب واستمرت في عرقلة الملاحة أو تحريك الوكلاء لمهاجمة أهداف خليجية، فمن المرجح جداً أن يترجم الرئيس ترامب وعيده إلى واقع عسكري. وسيكون الهدف هنا تنفيذ ضربات خاطفة ومكثفة بعد الانتخابات بهدف شل القدرات العسكرية الإيرانية بشكل نهائي ودفع النظام نحو الرضوخ الكامل للشروط الأمريكية.
في النهاية، يظل المشهد الإيراني الأمريكي محكوماً بهدنة مؤقتة تفرضها التكتيكات الانتخابية في واشنطن. إن الأسابيع القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت الدبلوماسية المستندة إلى قنوات الوساطة الخليجية قادرة على صياغة مخرج آمن، أم أن المنطقة تقف على حافة جولة جديدة وأشد عنفاً من المواجهة المباشرة.








