الرئيس جمال عبد الناصر..سلسلة «قادة النصر» – الحلقة الثانية
بقلم: أحمد مختار
من فلسطين إلى ثورة يوليو
حين نكتب عن نصر أكتوبر، فإن الوفاء يقتضي أن نتذكر الذين مهّدوا له، وفي مقدمتهم الرئيس جمال عبد الناصر؛ الذي رحل قبل العبور، وأسهم في إعداد الجيش والدولة والشعب لاستعادة الأرض والكرامة.
وُلد عبد الناصر في الإسكندرية يوم ١٥ يناير ١٩١٨. التحق بالجيش، وشارك في حرب فلسطين عام ١٩٤٨، وقاتل مع رفاقه القوات الصهيونية؛ فتركت الحرب أثرًا عميقًا في رؤيته لمستقبل وطنه.
قاد تنظيم الضباط الأحرار، وكان المحرك الرئيسي لثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ المجيدة، التي تصدّرها اللواء محمد نجيب، وأذاع بيانها الأول الرئيس الراحل محمد أنور السادات.
الاستقلال وبناء الدولة
ارتبط عهده باتفاقية الجلاء ورحيل القوات البريطانية، وبصفقة الأسلحة التشيكية عام ١٩٥٥، التي مثّلت خطوة مهمة لتسليح الجيش وتحرير قراره من الضغوط الغربية.
وفي ٢٦ يوليو ١٩٥٦، أعلن تأميم شركة قناة السويس واستعادة السيطرة المصرية عليها.
وشهد عهده بناء السد العالي، والتوسع في مصانع القطاع العام والصناعات الوطنية، وإنشاء مبنى ماسبيرو وانطلاق التليفزيون المصري عام ١٩٦٠. وأنشأ إذاعة القرآن الكريم، ومن رجاله د. حاتم عبد القادر، أبو الإعلام المصري وأحد أعمدة نصر أكتوبر.
مواجهة الاستعمار ومساندة التحرر
واجهت مصر العدوان الثلاثي البريطاني والفرنسي والإسرائيلي عام ١٩٥٦. وأسهم صمودها، مع الضغوط الدولية، في إفشال أهدافه السياسية. وأصبحت أزمة السويس علامة على تراجع النفوذ الاستعماري البريطاني والفرنسي، الممتد عبر قرون.
وساند عبد الناصر الثورة الجزائرية بالسلاح والدعم السياسي والإعلامي، وكان من أبرز مؤسسي حركة عدم الانحياز، سعيًا إلى استقلال قرار الدول بعيدًا عن هيمنة المعسكرين الشرقي والغربي.
إنجازات وأخطاء
ومن إنجازاته وإنجازات ثورة يوليو: قانون الإصلاح الزراعي، والقضاء على الإقطاع، وتمليك المصريين لأرضهم، ونشر التعليم من خلال إنشاء الجامعات والكليات والمدارس، والتعمير في ربوع مصر كلها.
يرى منتقدوه أن التدخل العسكري البري في اليمن لسنوات طويلة استنزف قدرات مصر، وأن محاولة تصدير مبادئ الثورة المصرية حمّلتها أعباء وصراعات إضافية.
ويأخذ عليه آخرون قمع جماعة الإخوان والتضييق على الحريات السياسية. وأرى أن مواجهة التنظيمات العنيفة والأفكار التكفيرية والظلامية ضرورة لحماية الدولة، وأن من تورّط في العنف استحق المحاسبة بالقانون. وهم أصلًا عملاء للإنجليز، وساندوهم في حرب اليمن في مقابل إسقاط مشروع مصر وثورة يوليو.
من جراح النكسة إلى طريق النصر
تبقى هزيمة يونيو ١٩٦٧ مسؤولية سياسية وعسكرية لا يجوز تجاهلها. لكن الإنصاف يقتضي تذكّر ما أعقبها من إعادة بناء الجيش، وخوض حرب الاستنزاف، وإقامة حائط الصواريخ، واستعادة ثقة المقاتل المصري بقدرته على المواجهة.
كانت معركة إعداد دولة وشعب، وتحويل الحزن إلى صبر وعمل، والإيمان بأن الهزيمة ليست نهاية الطريق.
رحل وبقي أثره
اختار عبد الناصر السادات نائبًا له عام ١٩٦٩. وبعد رحيله في ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠، استكمل السادات الإعداد واتخذ قرار العبور؛ فلكلٍّ دوره، وللقادة والجنود والشعب تضحياتهم التي صنعت النصر.
لم يعش عبد الناصر ليرى يوم العبور، لكنه ترك إسهامًا في الطريق إليه.
رحم الله الرئيس جمال عبد الناصر، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وحفظ مصر وجيشها وشعبها.
يتبع بإذن الله تعالى…








