الهجرة من بلاد الكفر
بقلم / محمـــد الدكـــروري
ليس المهاجر حقيقة من هاجر من بلاد الكفر بل من هجر نفسه، وأكرهها على الطاعة وحملها تجنب المنهي لأن النفس أشد عداوة من الكافر لقربها وملازمتها وحرصها على منع الخير، فالمجاهد الحقيقي من جاهد نفسه واتبع سنة نبيه صلي الله عليه وسلم وإقتفى طريقه في أقواله وأفعاله على إختلاف أحواله، بحيث لا يكون له حركة ولا سكون إلا على السنة، وهذه الهجرة العليا لثبوت فضلها على الدوام” وقال الملّا الهروي القاري أي ترك الصغائر والكبائر، وقيل الذنب أعم من الخطيئة لأنه يكون عن عمد بخلاف الخطيئة لأن الحكمة من الهجرة التمكن من الطاعة بلا مانع، والتبرؤ عن صحبة الأشرار المؤثرة في إكتساب الخطايا، فالهجرة التحرز عنها، فالمهاجر الحقيقي هو المتجانب عنها، واعلموا أن الصبر على العبادة عوض عن الهجرة، وإن فضل الهجرة عظيم فهي خروج من المال والأهل والوطن إبتغاء مرضاة الله، وهي تمسّك بالدين أمام الوعيد والتعذيب.
ومحاربة الأعداء الأشداء، ثم هي جهاد في سبيل الله، وتعريض للنفس أن تستشهد في سبيل الله، فهل هناك ما يعدلها في الأجر؟ فالهجرة إلى الله تعالى معناها أن تترك كل ما يبعدك عن الله إلى كل ما يقربك من الله، الهجرة إلى الله ليست إنتقال جسد من مكان إلى مكان، بل إنتقال قلب من حال إلى حال، والهجرة إلى الله أن يكون الله أحبّ إليك من شهواتك، وأعظم عندك من هوى نفسك أن تهجر الذنب إلى التوبة وتهجر القسوة إلى الرحمة، وتهجر الرياء إلى الإخلاص، وتهجر التكبر إلى الإنكسار وتهجر الخمول والكسل إلى النشاط والعمل، وتهجر الإعتماد على نفسك إلى الإعتماد على الله، وتهجر الجهل لتستضيء بنور العلم، وكل ما يهرب الإنسان منه مما لا يعاين طلبه فهو ظفر للمطلوب ومن رأى أَنه يستخفي من الناس ولا يستخفي من الله فإنه يبارز الله بالمعاصي، والمراد بالهرج هنا الفتنة وإختلاط أمور الناس، وسبب كثرة فضل العبادة فيه.
أن الناس يغفلون عنها، ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا أفراد، وقال الإمام ابن رجب وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم ولا يرجعون إلى دين فيكون حالهم شبيها بحال الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه، ويعبد ربه، ويتبع مراضيه، ويجتنب مساخطه كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم مؤمنا به متبعا لأوامره مجتنبا لنواهيه، وإن الهجرة تمثل ميزانا عادلا، فكل من هاجر فرارا إلى الله بدينه، سيخلف الله عليه خيرا مما ترك أو فقد، والهجرة النبوية ذكرى تاريخية تروى، ورسالة عملية تعاش، ومن أهم صور توظيفها اليوم هو الهجرة من المعصية إلى الطاعة، فالمسلم مطالب في كل يوم أن يهجر ما يغضب الله إلى ما يرضيه، يهجر الكذب إلى الصدق، والغش إلى الأمانة، والتقصير إلى الإحسان، وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم ” والمهاجر من هجر السوء”
وأن الهجرة من السلبية إلى الإيجابية، فالهجرة تعلمنا ألا نستسلم للواقع الفاسد، بل نسعى إلى إصلاحه، فكما غيّر النبي صلي الله عليه وسلم واقع الجزيرة العربية، يستطيع كل مسلم أن يبدأ بإصلاح نفسه وأسرته ومجتمعه، وأن الهجرة من الفرقة إلى الوحدة، فمن أعظم ما تحتاجه الأمة اليوم أن تهاجر من الخصومات والصراعات إلى التآلف والتعاون، حيث قال تعالى ” واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ” وكما أن الهجرة من العادات السيئة إلى القيم الرفيعة، فكم من الناس يعيشون أسرى لعادات إستهلاكية أو سلوكية أو فكرية تضعف دينهم وأخلاقهم، والهجرة الحقيقية أن ينتقل الإنسان من هذه القيود إلى فضاء القيم الربانية، وأن الهجرة إلى معالي الأمور، فالمؤمن لا يرضى بالدون، بل يهاجر دائما إلى الأكمل والأفضل، يهاجر بعلمه إلى مزيد من التعلم، وبعبادته إلى مزيد من الإخلاص، وبأخلاقه إلى مزيد من الكمال.








