التربية قبل التعليم.. والانضباط قبل الشرح.
بقلم: رشا درويش
في الوقت الذي ترفع فيه وزارة التربية والتعليم شعار “ممنوع العقاب البدني والنفسي” حمايةً لنفسية الطالب، يجد المعلم المصري نفسه وحيداً في مواجهة جيل فوضوي، بلا أي أداة حقيقية للضبط والسيطرة داخل الفصل.
اصبح الفصل المدرسي فصل بلا ضوابط:ادخل أي فصل دراسي في مدرسة حكومية اليوم، وسترى المشهد يتكرر كل يوم:
طالب يقفز فوق المقاعد، وآخر يضرب زميله، وثالث يخرج علبة طعامه ليأكل ويلقي بقاياه على الأرض، ورابع يسكب الماء على الأرض، وخامس يقضي ربع ساعة كاملة داخل الحمام، وسادس لا يكتب خلف معلمه ولا يؤدي واجبه ولا نشاطه، وآخر يكسر الدرج والمروحة والشباك، ويتلفظ بألفاظ لا تليق بمدرسة.وعندما يحاول المعلم أن يوقف هذه الفوضى، يجد أمامه لائحة طويلة من الممنوعات: ممنوع أن يرفع صوته، ممنوع أن يعاقبه، ممنوع أن يطرده، ممنوع أن يلمسه.. لأن نفسية الطالب خط أحمر.
أما نفسية المعلم؟ فلا أحد يسأل عنها.
مفارقة السناتر:الغريب والمؤلم أن نفس الطالب، بنفس السلوك، عندما يذهب إلى الدرس الخصوصي الذي يدفع فيه أهله مئات الجنيهات، يجلس كالتمثال، ويستمع، ويكتب، ويحترم معلم السنتر احتراماً كاملاً.
وإذا غضب عليه معلم السنتر أو عاقبه، لا يجرؤ هو ولا أهله على الاعتراض، بل يذهبون للاعتذار والرجاء أن يقبله مرة أخرى.
لماذا يخاف الطالب من معلم السنتر ولا يخاف من معلم المدرسة؟
الإجابة ببساطة: لأن معلم السنتر يملك سلطة الفصل والطرد، بينما معلم المدرسة سُحبت منه كل سلطاته، وأصبح مقيداً باللوائح والتحقيقات والجزاءات.
النتيجة الحتمية التي نراها اليوم واضحة: مراكز الدروس الخصوصية تدير العملية التعليمية بشكل أفضل من المدرسة، وتحظى باحترام أولياء الأمور، ولا نسمع عنهم أي شكاوى.
بينما أصبحت المدارس مسرحاً للفضائح والترندات والفيديوهات المسيئة، لأن المعلم فيها أصبح بلا حماية وبلا هيبة.
نحن كمعلمين وإعلاميين لا نطالب أبداً بالعودة للضرب والإهانة، فهذا مرفوض شرعاً وقانوناً وإنسانياً.
نحن نطالب بـ عقاب تربوي رادع، تحدده لائحة انضباط حقيقية تُطبق على الجميع:إنذار واستدعاء ولي أمرحرمان من النشاطفصل مؤقت للمشاغبإصلاح ما أتلفه على نفقتهحماية قانونية للمعلم عندما يطبق اللائحة
ولا شك ان المدرسة لن تعود إلا بعودة هيبة المعلم، والتربية لن تعود إلا بوجود ثواب وعقاب.
فإذا أردنا جيلاً محترماً، علينا أن ننصف المعلم أولاً، وأن نمنحه الأدوات التي تجعله قادراً على تربية وتعليم أبنائنا، لا أن نتركه وحيداً يواجه الفوضى ويدفع هو الثمن وحده.








