مقالات

هل صرنا مجرد مسخ بأجساد بشرية؟

هل صرنا مجرد مسخ بأجساد بشرية؟

بقلم: عبد المجيد عبوبي

في زحمة هذا العالم المادي المسرع، وبين ارتفاع الأسعار والمطاردة اليومية للقمة العيش، نسينا أن نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالاً مرعباً: هل ما زلنا إنساناً، أم أن شيئاً ما في أعماقنا قد مات؟

ليس السؤال عما ندّعيه بالكلمات، بل عما نفعله حين يئنّ ضعيف، أو حين نرى مظلوماً فنصمت ونمرّ كأن الأمر لا يعنينا.

الضوء الذي لم ينطفئ

في داخل كل واحد منا رحمة لم تمت كلياً. نتألم لطفل جائع، ونحزن لشيخ يصارع وحدته، ونغضب حين يُهان إنسان. لكننا مع الوقت تعلمنا كيف نخنق هذا الصوت. نقول: «ليس بيدنا شيء»، أو «همومنا تكفينا».

ومع تكرار الهروب، يتحول الصمت إلى عادة، وتصبح اللامبالاة درعاً نتوهم أنه يحمينا.

أن تكون نزيهاً اليوم ليس سهلاً، وأن تقول الحق قد يكلّفك الكثير، وأن تمدّ يدك قد يعرّضك للاستغلال. لكن هل هذا يبرر أن نترك القسوة تشكّل طريقة عيشنا؟ الخير لا يموت فجأة، بل يذبل كلما تنازلنا عن جزء من مبادئنا، وكلما وجدنا لأنفسنا عذراً لنقبل ما كنا نرفضه بالأمس.

حين تصبح القسوة مذهباً

حين يبحث الشاب عن عمل ولا يجد، وحين يحمل الخريج شهادته بلا فرصة، وحين يخاف رب الأسرة من غدٍ لا يكفيه فيه دخله، لا يحتاج الناس إلى نصائح مجردة عن الصبر. يحتاجون إلى عدالة، وإلى أجر يحفظ الكرامة.

لكن الكارثة الحقيقية تبدأ حين يتحول التعب والضغط إلى مبرر لكل انحراف؛ حين تصبح السرقة «شطارة»، والفساد «تدبيراً»، والسكوت عن الظلم «راحة بال». عندها لا تكون المشكلة في الخطأ ذاته، بل في أننا فقدنا البوصلة ولم نعد نراه خطأً.

بين “أزمة المعنى” و”روح الدين”

إن ما نمر به اليوم يضعنا أمام مرآة تحذيرات المفكر زكي نجيب محمود، الذي كان يخشى من غلبة المادية التي تحول الإنسان إلى مجرد آلة صماء تتخلّى عن قيمها من أجل المنفعة. كما يذكرنا بطرح المفكر مالك بن نبي حول فاعلية الدين في السلوك؛ فالدين ليس مجرد طقوس وشعائر نُظهرها للناس بينما نقسو على الأضعف منا.

قيمة الدين تظهر في أمانتنا حين غياب الرقيب، وفي عدلنا حين نملك السلطة، وفي معاملتنا لمن لا ننتظر منه مصلحة. إنه الطاقة الروحية التي تمنعنا من التطبيع مع الظلم وتذكرنا بحق الآخر.

لسنا ضحايا فقط

نعم، الظروف قاسية، وعصرنا مليء بالحروب والضغوط والقلق الوجودي. لكن يبقى لنا — في حدود قدرتنا — اختيار طريقة معاملتنا لبعضنا.

قد لا نستطيع تغيير العالم أو إصلاح كل شيء، لكننا نستطيع ألا نكون سبباً في زيادة وجع أحد. نستطيع ألا نستغل حاجة إنسان، وألا نهينه، وألا نكون جزءاً من ظلم نقدر على رفضه.

ربما نحتاج اليوم، كما يعبر فتحي المسكيني، إلى «هجرة إلى الإنسانية»؛ هجرة من الأنانية والقسوة التي اعتدناها إلى رحاب الاهتمام بمن حولنا، وأن نرى المحتاج إنساناً قبل أن نسأله عن أصله أو انتماءاته.

قبل أن تعتم الروح

إن مسؤولية المؤسسات في تحقيق العيش الكريم لا تُعفينا من مسؤوليتنا الأخلاقية تجاه بعضنا، وتقصير المؤسسات لا يمنحنا إذنًا بإنهاء الإنسانية في تعاملاتنا.

فلنسأل أنفسنا بصدق قبل فوات الأوان: هل ما زال فينا إنسان؟

إن كان الجواب نعم، فليظهر ذلك في بيوتنا، وشوارعنا، ومعاملتنا لمن لا يملك قوة ولا نفوذاً. لنحمي ذلك الضوء الصغير المتبقي في أعماقنا قبل أن تعتاد أرواحنا العتمة، وننسى كيف كنا نرى.

زر الذهاب إلى الأعلى