صدى مصرمقالاتمنوعات

أمازيغ سيوة والمغرب: جغرافية الروح والقصيدة التي لا تموت

أمازيغ سيوة والمغرب: جغرافية الروح والقصيدة التي لا تموت

 

بقلم: عبد المجيد عبوبي

أن تكون أمازيغياً في واحة سيوة، بقلب جغرافيا مصرية ذات كثافة حضارية طاحنة، يعني أن تمارس أسمى صور “المقاومة بالوجود”. ليس بقاء أمازيغ سيوة مجرد صدفة جغرافية اقتنصتها واحة معزولة، بل هو موقف فلسفي أصيل من الكينونة؛ موقف يرفض أن يُقاس الزمن بالحدود الطارئة، ويرى في الهوية شفرة جينية تتوارثها الروح قبل اللسان.

إن الفلسفة الأمازيغية لا تُكتب في مجلدات صماء، بل تُعاش في العروق. الأمازيغي في سيوة، تماماً كما في جبال الأطلس بالمغرب أو الأوراس بالجزائر، لا ينظر إلى الأرض (تامورت) بوصفها مساحة ترابية للزراعة أو العيش، بل بوصفها امتداداً للأنفة والكرامة. من هنا، يصبح البقاء على قيد الثقافة شرطاً للبقاء على قيد الإنسانية.

تجسير الروح: بيت الشعر الذي يخرق الصحاري

لو أن شاعراً من سيوة أنشد اليوم في قلب الواحة بيتاً بلغته السيوية (تسيويت)، يصف فيه شبث الجذور بالأرض ونبض الحرية في عروق الأحرار (إيمازيغن)، لمَا كان ذلك الصوت مجرد صدى محلي محاصر بالرمال. بل إنه سيهتز فوراً ويتردد صداه في أنوال، وتيزي وزو، وسوس، وشنوة.

السبب في هذا العبور الأسطوري لا يعود فقط إلى الأصل اللغوي الموحد، بل إلى وجود “مترادف وجداني” عميق. البيت الشعري الأمازيغي ليس مجرد تركيب لغوي، بل هو نغمة استعارية تُفرزها نفس المعاناة، وتغذّيها نفس الأنفة. عندما يشدو السيويل بعشق الحرية أو لوعة الغربة، فهو يستسقي من نفس البئر الفكري والتاريخي الذي يستسقي منه الشاعر في جبال المغرب.

لماذا ظلت هذه الرابطة عالقة بالروح؟

سيميائية الرموز: الحلي الفضية ونقوش النسيج في سيوة تتكلم نفس اللغة البصرية التي تطرزها أنامل النساء في “تزنيت” أو “الأوراس”؛ إنها لغة رموز شفرية تشرح فلسفة الأمان والجمال والحياة.

الأنفة كدستور وجود: لم تكن تسمية “إيمازيغن” (الرجال الأحرار) مجرد علم إثني، بل كانت وما زالت عهداً أخلاقياً. أتقن السيوية فن التفاعل مع الحضارة المصرية العريقة والمواطنة العميقة دون أن يذوبوا فيها، لأنهم يمتلكون مركزية روحية تجعل نواتهم الصلبة غير قابلة للاندماج القسري.

الذاكرة الشفهية الحية: ظلت الأمازيغية حية لأنها لم تُحط بأسوار المتاحف، بل أُودعت في حكايات الأمهات، وأهازيج التضامن (تويزا)، وأغاني حصاد الزيتون.

إن السر الأكبر لهذه العلاقة العالقة بالروح هو أن الأمازيغية ليست مجرد انتماء جغرافي، بل هي حالة روحية وموقف أزلي من الحرية. ولهذا تحديداً، لا يحتاج بيت الشعر الصادر من سيوة إلى جواز سفر ليعبر إلى المغرب، فهو يسافر مستنداً إلى شريان الذاكرة المشتركة التي لا تهزمها المسافات ولا تطمسها القرون.

 

زر الذهاب إلى الأعلى