مقالات

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي.. هل تنقذنا التكنولوجيا من أزمة تساهم في تعقيدها؟

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي.. هل تنقذنا التكنولوجيا من أزمة تساهم في تعقيدها؟

 

د. رشا ربيع الجزار

كاتبة علمية وصحفية

 

لم تعد التكنولوجيا تقف خارج معادلة التغيرات المناخية؛ فقد أصبحت جزءًا من الحل، وفي الوقت نفسه أحد الملفات التي تستدعي مراجعة دقيقة لتكلفتها البيئية. فالذكاء الاصطناعي الذي يساعد على تحليل الظواهر الجوية، والتنبؤ بالمخاطر، وتحسين كفاءة الطاقة، يعتمد على بنية تحتية رقمية تستهلك الكهرباء والمياه، وتحتاج إلى أجهزة ومراكز بيانات وشبكات متطورة تعمل بصورة مستمرة.

 

وهنا تظهر مفارقة تستحق النقاش: كيف يمكن لتكنولوجيا أن تساعد العالم على خفض الانبعاثات، بينما يتزايد الطلب على الموارد اللازمة لتشغيلها؟ وهل نقيس نجاح الذكاء الاصطناعي بمدى قدرته على إنجاز المهام بسرعة، أم بقدرته على تحقيق فوائد حقيقية دون تحميل البيئة تكلفة يمكن تجنبها؟

 

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب تجاوز النظرة التي تتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها عالمًا افتراضيًا منفصلًا عن الطبيعة. فالخدمات الرقمية، مهما بدت بعيدة عن الواقع المادي، تستند إلى أجهزة وطاقة ومياه ومواد خام، ولها بصمة بيئية ينبغي قياسها وإدارتها.

 

خلف الشاشة.. بنية تحتية تستهلك موارد حقيقية

 

عندما يطرح المستخدم سؤالًا على نظام للذكاء الاصطناعي، أو يطلب إنشاء صورة، أو تحليل مجموعة كبيرة من البيانات، تتم معالجة الطلب عبر أجهزة حاسوبية تعمل داخل مراكز البيانات. وتحتاج هذه الأجهزة إلى الكهرباء لتشغيل الخوادم، كما تحتاج المنشآت إلى أنظمة تبريد للحفاظ على درجات حرارة مناسبة.

 

وتتفاوت احتياجات الطاقة والمياه باختلاف حجم النموذج المستخدم، ونوع المهمة، وكفاءة الأجهزة، وتصميم مركز البيانات، ومصدر الكهرباء، وتقنيات التبريد. ولذلك لا يصح افتراض أن كل استفسار رقمي يستهلك الكمية نفسها من الموارد.

 

لكن القضية تتجاوز الطلب الفردي؛ إذ يؤدي التوسع في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الحاجة إلى القدرة الحاسوبية، وهو ما يضع ضغوطًا متنامية على بعض شبكات الكهرباء والبنية التحتية للموارد.

 

ووفق تقرير وكالة الطاقة الدولية «الطاقة والذكاء الاصطناعي» الصادر عام 2025، بلغ استهلاك مراكز البيانات عالميًا نحو 415 تيراواط ساعة من الكهرباء خلال عام 2024، بما يعادل قرابة 1.5% من استهلاك الكهرباء العالمي. وقدّر التقرير أن هذا الاستهلاك قد يتجاوز 900 تيراواط ساعة بحلول عام 2030 في السيناريو الأساسي.

 

وهذه الأرقام تخص مراكز البيانات بمختلف استخداماتها، وليس الذكاء الاصطناعي وحده. ومع ذلك، فإن التوسع في التطبيقات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي يمثل أحد العوامل المهمة وراء نمو الطلب على الخدمات الحاسوبية.

 

البصمة الكربونية.. ما الذي لا نراه في الصورة؟

 

تُستخدم البصمة الكربونية للتعبير عن إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة المرتبطة بنشاط أو منتج أو خدمة، مع التعبير عنها عادة بمكافئ ثاني أكسيد الكربون. وفي حالة الذكاء الاصطناعي، لا تقتصر الصورة على الكهرباء المستهلكة أثناء تشغيل النموذج، بل تمتد إلى تصنيع الأجهزة والرقائق الإلكترونية، ونقل المعدات، وبناء مراكز البيانات، وتشغيلها، ثم التعامل مع مخلفاتها عند انتهاء عمرها.

 

وتختلف الانبعاثات المرتبطة بتشغيل مراكز البيانات بحسب مزيج الطاقة المستخدم. فالمركز الذي يعتمد على كهرباء كثيفة الانبعاثات قد تكون بصمته الكربونية التشغيلية أعلى من مركز يستخدم كهرباء أقل كثافة في الانبعاثات، حتى لو تقاربت كفاءة الأجهزة بينهما.

 

لكن الاعتماد على مؤشر الكربون وحده لا يقدم الصورة الكاملة؛ فقد يؤدي اختيار تقنيات معينة إلى تقليل الانبعاثات مع زيادة الضغط على المياه أو الأراضي. ومن ثم، فإن تقييم الاستدامة الرقمية يحتاج إلى النظر في مجموعة من المؤشرات البيئية المتكاملة، بدلًا من التركيز على رقم واحد.

 

وتؤكد تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة أهمية تقييم الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي على امتداد دورة حياته، بدءًا من تطوير النماذج وتصنيع الأجهزة، مرورًا بالتشغيل، وصولًا إلى النفايات الإلكترونية.

 

المياه.. التكلفة الخفية للثورة الرقمية

 

قد يبدو الربط بين الذكاء الاصطناعي والمياه غير متوقع، لكن بعض مراكز البيانات تعتمد على المياه في أنظمة التبريد، كما ترتبط المياه بصورة غير مباشرة بتوليد الكهرباء التي تستهلكها هذه المنشآت.

 

وتختلف كمية المياه المستخدمة باختلاف الموقع والمناخ وتصميم مركز البيانات وتقنية التبريد ومصدر الطاقة. ولهذا لا يمكن تعميم تقدير واحد على جميع المراكز، أو اعتبار كل تطبيق للذكاء الاصطناعي متساويًا في أثره المائي.

 

وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تُنشأ منشآت رقمية كبيرة في مناطق تعاني أصلًا من الإجهاد المائي. ففي هذه الحالات، ينبغي أن يخضع استخدام المياه لتقييم يأخذ في الاعتبار احتياجات السكان والزراعة والأنشطة الاقتصادية الأخرى، إلى جانب المتطلبات التشغيلية للمركز.

 

وهنا يبرز سؤال يتعلق بالتخطيط المستدام: هل يجري اختيار مواقع مراكز البيانات وفق توافر الكهرباء والاتصال الرقمي فقط، أم تُؤخذ الموارد المائية والظروف المناخية والآثار المحلية في الحسبان منذ مرحلة التخطيط؟

 

إن الاستدامة الرقمية الحقيقية تبدأ عندما تصبح هذه الأسئلة جزءًا من قرار الاستثمار، لا مجرد اعتبارات تُطرح بعد تشغيل المنشأة.

 

المفارقة الكبرى.. التكنولوجيا التي تخفض الانبعاثات قد تزيد الطلب على الطاقة

 

لا يمكن اختزال العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والمناخ في كونه مشكلة بيئية؛ فهذه التكنولوجيا تمتلك أيضًا إمكانات مهمة للمساعدة في خفض الانبعاثات وتحسين إدارة الموارد.

 

يمكن للأنظمة الذكية دعم التنبؤ بإنتاج الطاقة الشمسية والرياح، وتحسين إدارة شبكات الكهرباء، والكشف عن الهدر في المباني والمنشآت الصناعية، ومتابعة التغيرات في الغطاء النباتي، وتحسين جدولة الري، وتحليل البيانات المرتبطة بمخاطر الفيضانات والجفاف.

 

كما يمكنها مساعدة المؤسسات على تحسين العمليات التشغيلية، وتقليل بعض أوجه الفاقد، وتطوير سيناريوهات أكثر دقة للتخطيط والاستعداد للمخاطر.

 

لكن تحقيق هذه الفوائد ليس مضمونًا بمجرد استخدام التكنولوجيا. فالنتيجة تعتمد على التطبيق نفسه، وجودة البيانات، وطريقة التنفيذ، ومقدار الموارد التي يستهلكها النظام، وما إذا كانت الوفورات الناتجة تتجاوز الأعباء البيئية الإضافية.

 

وقد تؤدي الكفاءة الأعلى أحيانًا إلى زيادة الاستخدام الإجمالي للخدمة؛ فإذا انخفضت تكلفة تشغيل التطبيقات وأصبحت أكثر سهولة، فقد يتوسع استخدامها بدرجة تعوّض جزءًا من الوفر المتوقع. وتُعرف هذه الظاهرة في الاقتصاد باسم «أثر الارتداد»، وهي تذكّرنا بأن تحسين الكفاءة لا يضمن وحده انخفاض الاستهلاك الكلي.

 

لذلك، لا بد من تقييم الأثر الفعلي للتطبيقات على مستوى النظام بأكمله، بدلًا من الاكتفاء بقياس سرعة الأداء أو مقدار التحسن في مهمة منفردة.

 

هل نحتاج إلى ذكاء اصطناعي أكثر كفاءة أم إلى استخدام أكثر وعيًا؟

 

تبدأ الاستجابة من تصميم الأنظمة الرقمية بطريقة تقلل استهلاك الموارد دون الإخلال بالغرض المطلوب. فليست كل مهمة بحاجة إلى أكبر النماذج وأكثرها استهلاكًا للحوسبة؛ إذ يمكن في بعض الاستخدامات الاستعانة بنماذج أصغر وأكثر كفاءة، أو تقليل العمليات غير الضرورية، أو تحسين إدارة الأحمال داخل مراكز البيانات.

 

كما يمكن للمؤسسات الاستثمار في أنظمة تبريد أكثر كفاءة، وتحسين استخدام الكهرباء، وتوسيع الاعتماد على مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات، مع تقييم الآثار المترتبة على المياه والأراضي.

 

وتشمل الحلول كذلك إطالة العمر التشغيلي للأجهزة متى كان ذلك مناسبًا، وإعادة استخدام المعدات، وتحسين جمع النفايات الإلكترونية ومعالجتها، وتعزيز الشفافية في الإفصاح عن استهلاك الطاقة والمياه والانبعاثات.

 

أما على مستوى السياسات العامة، فتبرز الحاجة إلى مؤشرات واضحة للاستدامة الرقمية، وإلى تخطيط يربط توسع البنية التحتية الرقمية بقدرات شبكات الكهرباء وتوافر الموارد المائية والأهداف المناخية.

 

والهدف ليس إبطاء الابتكار، بل توجيهه نحو تطبيقات تحقق قيمة حقيقية بأقل تكلفة بيئية ممكنة.

 

مصر.. فرصة لبناء مسار رقمي أكثر استدامة

 

مع توسع الخدمات الرقمية والاهتمام بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، تصبح الاستدامة عنصرًا مهمًا في التخطيط للبنية التحتية التكنولوجية في مصر. فاختيار مواقع مراكز البيانات الجديدة، وكفاءة أنظمة التبريد، ومصادر الكهرباء، وإدارة المياه، والتعامل مع الأجهزة الإلكترونية المستهلكة، كلها عناصر ينبغي أن تحضر في تقييم الأثر البيئي للمشروعات.

 

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل الضغوط على الموارد المائية والحاجة إلى تحسين كفاءة الطاقة. ولذلك ينبغي ألا ينفصل التخطيط للتحول الرقمي عن التخطيط المناخي والاقتصادي، بل يتكامل معه في تحديد الأولويات والاستثمارات المناسبة.

 

ويمكن للجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الصناعية أن تؤدي دورًا مهمًا في تطوير تطبيقات محلية تساعد على إدارة المياه والطاقة، وتحليل البيانات البيئية، وتحسين كفاءة العمليات الإنتاجية. كما يمكن للجهات التنظيمية تعزيز الإفصاح عن المؤشرات البيئية ذات الصلة، بما يدعم اتخاذ قرارات استثمارية أكثر وعيًا.

 

ولا يتعلق الأمر باستيراد أحدث التقنيات فحسب، وإنما ببناء قدرة محلية على تقييمها وتطويرها وتوظيفها وفق احتياجات المجتمع والموارد المتاحة.

 

من الثورة الرقمية إلى المسؤولية البيئية

 

إن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يُقاس فقط بقدرته على معالجة البيانات أو إنتاج المحتوى أو تسريع القرارات، بل أيضًا بمدى توافق توسعه مع حدود الموارد الطبيعية ومتطلبات الاستدامة.

 

فالتكنولوجيا التي تساعد على حماية البيئة يجب أن تخضع هي نفسها لمعايير واضحة للمساءلة البيئية. والشركات والمؤسسات التي تستفيد من القدرات الرقمية مطالبة بالنظر إلى الأثر الكامل لأنظمتها، بينما يحتاج صانع القرار إلى معلومات موثوقة تتيح الموازنة بين الابتكار وتكلفة الموارد.

 

وفي هذا السياق، تصبح البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي جزءًا من سؤال أكبر يتعلق بمستقبل التنمية: كيف نحقق التقدم التكنولوجي دون نقل تكلفته إلى المناخ والمياه والأجيال المقبلة؟

 

الإجابة لا تكمن في رفض الذكاء الاصطناعي، ولا في افتراض أنه حل تلقائي لكل أزمة، بل في تطويره واستخدامه بصورة مسؤولة، وقياس فوائده وأعبائه معًا، وتوجيهه نحو التطبيقات التي تحقق أكبر منفعة اجتماعية وبيئية.

 

فالذكاء الاصطناعي لن يكون مستدامًا لمجرد أنه يساعدنا على مواجهة تغير المناخ؛ بل عندما تصبح طريقة بنائه وتشغيله واستخدامه جزءًا من الحل، لا عبئًا إضافيًا على الكوكب.

زر الذهاب إلى الأعلى