مقالات

الخلفاء الراشدون.. هل كانت قوة الدولة في الأسوار أم في العدل؟

الخلفاء الراشدون.. هل كانت قوة الدولة في الأسوار أم في العدل؟

الخلفاء الراشدون.. هل كانت قوة الدولة في الأسوار أم في العدل؟

بقلم: محمود سعيد برغش

عبر التاريخ، اعتاد الملوك والسلاطين أن يحيطوا أنفسهم بالأسوار والقلاع والحراس والجيوش. فكلما اتسعت الدولة، ازدادت القصور، وارتفعت الأسوار، وبُنيت الحصون، وكأن الحاكم يبحث عن الأمان خلف الحجارة.

 

لكن عندما ننظر إلى عصر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، نجد صورة مختلفة تستحق التأمل.

 

فقد امتدت الدولة الإسلامية في سنوات قليلة امتدادًا عظيمًا، ودخلت بلاد الشام والعراق ومصر وفارس تحت الحكم الإسلامي، ومع ذلك لم يكن بناء القصور المعزولة والأسوار الضخمة حول الخليفة هو أساس الحكم.

 

لم يكن أبو بكر الصديق رضي الله عنه ملكًا يختبئ خلف قلعة.

 

ولم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعيش خلف سور يفصل بينه وبين الناس.

 

ولم تكن قوة عثمان بن عفان رضي الله عنه قائمة على القصور والحراس.

 

وكذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عاش في زمن شديد الاضطراب، وكانت قوة الحاكم في نظر الإسلام مرتبطة بالحق والعدل والمسؤولية.

 

وهنا يجب أن نكون دقيقين تاريخيًا:

 

هذا لا يعني أن المسلمين في عصر الخلفاء الراشدين لم يستخدموا الحصون أو التحصينات العسكرية. فقد كانت الحصون جزءًا من الحروب والدفاع عن المدن، كما كانت هناك مدن وقلاع وحصون قائمة في البلاد التي دخلت تحت الحكم الإسلامي.

 

لكن الفرق أن الخليفة نفسه لم يكن يبني مدينة مغلقة أو حصنًا شخصيًا ليحتمي به من شعبه.

 

الدولة التي اتسعت بلا قصر ملكي

 

في عصر الخلفاء الراشدين اتسعت الدولة الإسلامية بصورة لم تعرفها الجزيرة العربية من قبل.

 

واجه المسلمون الإمبراطوريتين الكبيرتين: الفرس والروم.

 

وكانت المدن المحصنة والقلاع والأسوار جزءًا من قوة تلك الإمبراطوريات.

 

لكن كثيرًا من هذه المدن دخل تحت الحكم الإسلامي، بعضُها بالصلح وبعضها بعد القتال والحصار.

 

وهنا يظهر درس مهم:

 

الأسوار وحدها لا تحمي دولة فقدت أسباب قوتها.

 

فقد يكون السور عاليًا، لكن الدولة من الداخل ضعيفة.

 

وقد تكون القلعة حصينة، لكن السياسة فاسدة.

 

وقد يكون الجيش كبيرًا، لكن القيادة منهارة.

 

وقد تكون الخزائن ممتلئة، لكن الناس غاضبين.

 

لذلك قال الله تعالى:

 

> ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾

[آل عمران: 140]

 

 

 

فلا توجد دولة تبقى قوية إلى الأبد، ولا ملك يبقى في يد شخص أو أسرة إلى الأبد.

 

الإسلام لا يرفض القوة

 

من الخطأ أن نفهم أن الإسلام يدعو إلى ترك التحصينات أو عدم الاستعداد للأعداء.

 

بل قال الله تعالى:

 

> ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾

[الأنفال: 60]

 

 

 

فالإسلام يأمر بإعداد القوة.

 

والجيش قوة.

 

والاقتصاد قوة.

 

والعلم قوة.

 

والتحصينات قوة.

 

لكن المشكلة تبدأ عندما يظن الحاكم أن القوة المادية وحدها تستطيع أن تمنحه الخلود.

 

بين السور والعدل

 

قد يبني الحاكم سورًا حول مدينة.

 

وقد يبني برجًا حول قصره.

 

وقد يضع آلاف الجنود حول نفسه.

 

لكن هل يستطيع أن يبني سورًا يمنع الموت؟

 

يقول الله تعالى:

 

> ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾

[النساء: 78]

 

 

 

وهنا تأتي الحقيقة الكبرى:

 

الأخذ بالأسباب مطلوب، لكن الاعتماد على الأسباب وحدها غرور.

 

ابنِ سورًا لحماية بلدك.

 

وابنِ جيشًا للدفاع عن شعبك.

 

وابنِ مدينة حديثة لخدمة الناس.

 

لكن لا تظن أن السور سيحمي الظلم.

 

ولا تظن أن الجيش سيمنع سقوط دولة فقدت ثقة شعبها.

 

الخلفاء الراشدون والحكم

 

كان مفهوم الحكم عند الخلفاء الراشدين أقرب إلى الأمانة والتكليف منه إلى الترف والملكية الشخصية.

 

وقد قال الله تعالى:

 

> ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾

[النساء: 58]

 

 

 

فالسلطة في الإسلام ليست مجرد كرسي.

 

إنها أمانة.

 

وليست تشريفًا فقط.

 

إنها مسؤولية.

 

وقال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه:

 

> «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكِلت إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها».

 

 

 

وكأن الحديث يضع قاعدة عظيمة:

 

لا تجعل الحكم غاية، بل اجعل خدمة الناس هي الغاية.

 

من الخلفاء إلى الملوك

 

بعد عصر الخلافة الراشدة تغير شكل الحكم تدريجيًا، واتسعت الدولة، وظهرت دول وسلالات كبيرة، وأصبحت القصور والحصون والأسوار جزءًا أكثر وضوحًا من صورة السلطة.

 

بنى الأمويون والعباسيون والعثمانيون وغيرهم المدن والمنشآت والتحصينات.

 

وهذا في ذاته ليس خطأ.

 

فالمدن تحتاج إلى حماية.

 

والحدود تحتاج إلى جيوش.

 

والدولة تحتاج إلى قوة.

 

لكن التاريخ يثبت أن القلاع لا تعيش إلى الأبد.

 

سقطت مدن الفرس.

 

وسقطت مدن الروم والبيزنطيين.

 

وسقطت بغداد بعد قرون من عظمتها.

 

وسقطت قلعة ألموت رغم شهرتها بالحصانة.

 

وسقطت دول كان أصحابها يظنون أنها باقية.

 

وهكذا بقيت الأسوار، في بعض الأحيان، شاهدًا على غياب أصحابها.

 

ماذا يقول التاريخ؟

 

التاريخ لا يقول لنا: لا تبنوا المدن.

 

ولا يقول: لا تقيموا الأسوار.

 

ولا يقول: لا تقووا الجيوش.

 

بل يقول:

 

لا تجعلوا الحجارة أهم من الإنسان.

 

ولا تجعلوا القصور أهم من الشعب.

 

ولا تجعلوا حماية الحاكم أهم من حماية الدولة.

 

فالعدل هو الذي يجعل الناس يتمسكون بدولتهم.

 

والأمانة هي التي تمنح الحاكم احترامه.

 

والقوة الحقيقية ليست فقط في عدد الجنود، وإنما في قوة المجتمع من الداخل.

 

 

 

*لم تكن عظمة الخلفاء الراشدين في ارتفاع قصورهم.

 

ولم تكن في كثرة الحراس حولهم.

 

ولم تكن في المدن المغلقة والأسوار التي تفصلهم عن الناس.

 

بل كانت في أن مفهوم الحكم عندهم ارتبط، في جوهره، بالمسؤولية والعدل والأمانة.

 

ولهذا تبقى الآية الكريمة درسًا لكل إنسان، حاكمًا كان أو محكومًا:

 

> ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾

 

 

 

ابنِ ما شئت من مدن.

 

وشيّد ما شئت من أسوار.

 

وأعدّ ما استطعت من قوة.

 

لكن تذكر دائمًا:

 

السور قد يحمي مدينة، لكنه لا يحمي الظلم.

 

والجيش قد يحمي الحدود، لكنه لا يمنع سقوط دولة فقدت العدل.

 

أما الإنسان، فلن تحميه القصور من الموت، ولن تحميه الأسوار من قدر الله.

 

ويبقى العدل من أعظم أسباب قوة الدولة، والأمانة من أعظم ما يحمي الحاكم، والعمل الصالح هو ما يبقى للإنسان بعد أن يرحل عن كل القصور والأسوار.

 

بقلم: محمود سعيد برغش

زر الذهاب إلى الأعلى