مقالاتمنوعات

الرئيس السيسي… ما بين الفهم وحاضنة الاستقرار

ثياب الاقتصاد بعيون مصرية.

ثياب الاقتصاد… بعيون مصرية

الرئيس السيسي… ما بين الفهم وحاضنة الاستقرار

 

بقلم: حسين عبيد

كاتب صحفي وباحث قانوني واقتصادي

في الاقتصاد، هناك كلمة قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل خلفها الكثير من المعاني، وهي: الاستقرار.

ومنذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي مسؤولية البلاد، ظل الحديث عن الاستقرار حاضرًا في كثير من خطاباته ولقاءاته، وربما بدت هذه الكلمة في سنوات سابقة للبعض مجرد عبارة تتكرر في سياق الحديث عن الدولة والمجتمع، لكن السنوات الماضية، وما شهدته المنطقة من أزمات وصراعات واضطرابات، أعادت تعريف الكلمة من جديد.

فالاستقرار ليس مجرد غياب الصراع، وليس حالة سياسية فقط، وإنما هو في جوهره شرط اقتصادي أساسي للبناء والتنمية.

المستثمر عندما يبحث عن دولة يضع فيها أمواله لا ينظر فقط إلى حجم السوق أو حجم الأرباح المتوقعة، وإنما يسأل أيضًا: هل هناك استقرار سياسي؟ هل المؤسسات تعمل؟ هل القوانين واضحة؟ هل يمكن التخطيط لسنوات قادمة؟

وهنا تتضح العلاقة بين الاقتصاد والاستقرار.

فالمصنع يحتاج إلى بيئة آمنة، والمستثمر يحتاج إلى الثقة، والسائح يحتاج إلى الأمان، والمواطن يحتاج إلى أن يشعر بأن الغد يمكن أن يكون أفضل. وكل ذلك لا يمكن أن يتحقق في بيئة مضطربة تهتز فيها مؤسسات الدولة أو تتعطل فيها حركة الاقتصاد.

لقد كشفت التجارب التي مرت بها بعض دول المنطقة أن انهيار الاستقرار لا يدفع ثمنه السياسيون وحدهم، وإنما يدفع المواطن والاقتصاد الثمن الأكبر.

قد تتوقف مصانع، وتتراجع الاستثمارات، وتتضرر السياحة، وتتآكل العملة، وتزداد معدلات البطالة، وتضطر الدولة إلى توجيه موارد ضخمة لمعالجة آثار الأزمات بدلًا من توجيهها إلى التنمية.

ومن هنا يمكن فهم أهمية الاستقرار بالنسبة إلى مصر، خصوصًا في منطقة شديدة الحساسية تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية.

لكن الحديث عن الاستقرار لا يعني تجاهل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري.

فالمواطن يشعر بارتفاع الأسعار، ويواجه ضغوطًا معيشية حقيقية، وينتظر أن تتحول مشروعات التنمية والاستثمار إلى فرص عمل وتحسن ملموس في مستوى الحياة.

وهنا تحديدًا يأتي الفهم الاقتصادي.

فالاستقرار الحقيقي لا يعني أن نقول للمواطن إن الأوضاع صعبة فقط، وإنما يعني أن تكون هناك سياسات اقتصادية قادرة على التعامل مع الصعوبات، وأن يشعر المواطن بأن هناك طريقًا واضحًا للخروج من الأزمة.

الاقتصاد لا يقوم على الشعارات، وإنما على الإنتاج والاستثمار والعمل وزيادة الصادرات وترشيد الإنفاق وتحسين بيئة الأعمال، والأهم من ذلك كله بناء الثقة بين الدولة والمواطن والمستثمر.

ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الجمع بين أمرين لا غنى لأحدهما عن الآخر: الحفاظ على استقرار الدولة، والعمل في الوقت نفسه على معالجة جذور التحديات الاقتصادية.

فالأزمات الاقتصادية يمكن تجاوزها عندما تتوافر الإرادة والعلم والخبرة وحسن إدارة الموارد.

أما انهيار مؤسسات الدولة وتفككها، فإن تكلفة إعادة البناء تكون أكبر بكثير، وقد تحتاج الدول إلى سنوات طويلة حتى تستعيد ما فقدته.

ولعل المواطن المصري أصبح أكثر وعيًا بهذه الحقيقة من خلال ما يراه حوله في المنطقة.

إن مصر ليست بمعزل عن العالم، وما يحدث خارج حدودها يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على اقتصادها، من أسعار الطاقة إلى حركة التجارة العالمية، ومن السياحة إلى الاستثمارات وسلاسل الإمداد.

ولهذا فإن حماية الاستقرار الاقتصادي مسؤولية لا تقع على الدولة وحدها، وإنما هي مسؤولية مشتركة تبدأ من دعم الإنتاج والعمل، وتمتد إلى مكافحة الفساد، وتحسين الخدمات، وتطوير التعليم، وتمكين الكفاءات المصرية، وخلق بيئة أكثر جاذبية للاستثمار.

ومصر تمتلك الكثير من عناصر القوة: موقعًا جغرافيًا فريدًا، وسوقًا كبيرة، وقناة السويس، وموارد بشرية هائلة، وقطاعات اقتصادية متنوعة، وكفاءات قادرة على المنافسة متى توافرت لها البيئة المناسبة.

ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذه الإمكانات إلى قيمة اقتصادية مستدامة يشعر المواطن بثمارها.

فالاستقرار ليس نهاية الطريق، وإنما هو الطريق الذي يمكن من خلاله أن تتحرك عجلة الاقتصاد.

والفهم ليس مجرد إدراك للأزمة، وإنما القدرة على التعامل معها بعقل هادئ، وسياسات واضحة، وأولويات واقعية.

وفي النهاية، قد تمر مصر بأزمات اقتصادية، وقد تتغير الظروف الإقليمية والدولية، لكن الدول التي تمتلك مؤسسات راسخة وشعبًا واعيًا وقدرة على التعلم من الأزمات تستطيع أن تحول المحن إلى فرص.

فثياب الاقتصاد لا تُقاس فقط بأرقام النمو، وإنما بقدرة الدولة على حماية استقرارها، وبقدرة المواطن على أن يرى في المستقبل مساحة حقيقية للأمل والعمل.

وتبقى مصر، رغم كل التحديات، بحاجة إلى أن تنظر إلى المستقبل بعين الاقتصاد، وعقل القانون، وإرادة أبنائها.

زر الذهاب إلى الأعلى