أدب وثقافة

الزوهري بين الحقيقة والوهم

 

الزوهري بين الحقيقة والوهم

بقلم: عبد الحميد أحمد حمودة
تنتشر في بعض البيئات الشعبية فكرة “الزوهري”، ويُقال إنه شخص يتميز بعلامات في جسده، أو له خصوصية تمنعه من تأثير الجن، أو يجعله مفتاحًا لأمور غيبية مثل كشف الكنوز أو التعامل مع العوالم الخفية. وهذه التصورات لا يوجد لها أي دليل من القرآن الكريم أو السنة النبوية، ولا تقوم على علم أو حقيقة ثابتة.
والاختلافات الجسدية بين الناس سنة كونية وطبيعية، ولا يجوز تحويلها إلى وسيلة لادعاء قدرات خارقة أو صفات غيبية، إذ لم يجعل الشرع علامة في الجسد دليلًا على قرب من الغيب أو امتلاك قوة خفية، وإنما الناس يتفاضلون بالإيمان والعمل الصالح لا بالأوهام والعلامات.
الغيب في الإسلام محصور في علم الله وحده، قال تعالى:
﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: 65)
وهذا أصل قاطع يُبطل كل دعوى تُنسب إلى البشر بامتلاك معرفة غيبية أو قدرات خاصة بسبب شكل أو علامة أو صفة جسدية.
وهذه الأفكار في حقيقتها أقرب إلى الوهم منها إلى الواقع، وغالبًا ما تتغذى على الخيال الشعبي والتجارب غير الموثوقة، ثم تتطور مع الوقت لتصبح معتقدات عند بعض الناس دون دليل. والشيطان يعتمد في كثير من الفتن على التزيين والتدرج، فيجعل الإنسان يصدق ما لا أصل له، ثم يربطه بأوهام أكبر قد تقوده إلى البحث عن طرق محرمة أو التعامل مع الدجالين وأهل الشعوذة، قال تعالى:
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾
(الأنفال: 48)
وقال تعالى أيضًا:
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ۝ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾
(الشعراء: 221-222)
ومن أخطر ما يرتبط بهذه الفكرة أنها قد تُستغل لفتح أبواب الدجل والسحر، أو إدخال الناس في أوهام البحث عن الكنوز أو القوى الخفية، مما قد يقود إلى أكل أموال الناس بالباطل أو الوقوع في محرمات عظيمة، وكل ذلك مبني على أصل لا دليل عليه.
وكثير من هذه المعتقدات تنتشر في البيئات التي يكثر فيها الخوف من المجهول أو البحث عن حلول سريعة للمشكلات، فيلجأ بعض الناس إلى التفسيرات الغيبية بدل الرجوع إلى العقل والعلم والشرع، فتتحول الخرافة مع الوقت إلى فكرة متداولة يصدقها البعض دون تمحيص.
وقد حذّرت السنة النبوية من الذهاب إلى من يدّعي علم الغيب أو يتعامل مع المجهول، فقال النبي ﷺ: «من أتى عرّافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة» (رواه مسلم)، وزاد أحمد بن حنبل وأصحاب السنن بلفظ: «فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد».
فالإنسان في ميزان الشرع لا يُقاس بعلامة في جسده ولا بوهم شعبي، وإنما ميزانه الحقيقي هو التقوى والعمل الصالح، قال تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13)
ولم يعرف العلماء المتقدمون في كتب العقيدة والتفسير والحديث تقسيم الناس إلى “زوهري” وغيره على هذا المعنى الشعبي المتداول، وإنما ظهرت هذه التصورات في بعض البيئات الشعبية المختلطة بالخرافات والأساطير.
لذلك فإن ربط مصير الإنسان أو قدراته بعلامات جسدية أو تصورات خفية هو انحراف عن الفهم الصحيح للكون والقدر.
ففكرة “الزوهري” في حقيقتها ليست إلا خلطًا بين الخيال والخرافة، استغلها بعض الناس عبر الزمن لتفسير المجهول أو تبرير ممارسات لا أصل لها، بينما يظل الحق واضحًا: الغيب لله وحده، ولا يمتلك أحد من الخلق شيئًا منه إلا بإذن الله فيما أوحاه لأنبيائه فقط.

زر الذهاب إلى الأعلى