مقالاتمنوعات

السادات.. رجل صنع السلام. بقلم / حسين عبيد

السادات.. رجل صنع السلام

 

بقلم / حسين عبيد

في تاريخ الأمم رجالٌ لهم بريقٌ ذهبي، وذاكرةٌ لا تموت، يبقون حاضرين في وجدان الشعوب مهما مرت السنوات. ومن بين هؤلاء يظل الزعيم والقائد، رجل الحرب والسلام، الرئيس الراحل محمد أنور السادات.

يظهر السادات كل عام في شهر أكتوبر، كنجم تعرفه الأجيال، عبر منصات الإعلام وشاشات التلفاز، لتُحكى وتُروى من جديد قصة رجل ارتبط اسمه بواحدة من أهم اللحظات في التاريخ المصري الحديث.

لم يكن أكتوبر مجرد معركة عسكرية خاضها رجال القوات المسلحة المصرية، ولم يكن العبور مجرد عبور لقناة السويس، وإنما كان استعادةً للأرض، وإعادةً للثقة، ورفعًا لروح وعزة وشرف المصريين. كان أكتوبر لحظة عاد فيها الشعور بالقدرة إلى الجسد المصري بعد سنوات من الألم والانكسار.

كان رجال القوات المسلحة في أكتوبر رجالًا عبروا الزمن قبل أن يعبروا قناة السويس؛ حملوا على أكتافهم مسؤولية وطن، وعلى وجوههم إيمانًا بأن الأرض لا تُستعاد بالكلمات، وإنما بالإرادة والتخطيط والتضحية.

وفي قلب هذه اللحظة التاريخية يبرز اسم أنور السادات، الرجل الذي دخل التاريخ من بوابة الحرب، ثم اختار أن يدخل مرحلة أخرى من خلال بوابة السلام.

لقد كان السادات يدرك أن الحرب، مهما كانت ضرورية في لحظة تاريخية، ليست هدفًا دائمًا، وأن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على خوض المعارك، وإنما أيضًا بقدرتها على تحويل نتائج الحرب إلى واقع سياسي يحقق مصالحها.

ومن هنا بدأ طريق آخر.

بعد حرب أكتوبر عام 1973، دخلت مصر مرحلة جديدة من التحرك السياسي والدبلوماسي، وصولًا إلى زيارة السادات للقدس عام 1977، ثم اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، وتوقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.

كانت تلك القرارات نقطة تحول كبيرة في تاريخ المنطقة، وأثارت في وقتها وما زالت تثير نقاشًا واسعًا حول طبيعة السلام وتبعاته السياسية والإقليمية. لكن المؤكد أن السادات اتخذ قرارًا استراتيجيًا غيّر مسار العلاقات المصرية الإسرائيلية، وكان من نتائجه انسحاب إسرائيل من سيناء، الذي اكتمل بالنسبة لمعظم أراضيها عام 1982، بينما حُسمت قضية طابا لاحقًا من خلال التحكيم الدولي.

وهنا تظهر شخصية السادات بصورة أكثر عمقًا من مجرد وصفه برجل الحرب أو رجل السلام.

فالرجل الذي اتخذ قرار الحرب في أكتوبر هو نفسه الذي وقف بعد سنوات قليلة أمام الكنيست الإسرائيلي، يتحدث عن السلام، ويطرح رؤية تقوم على إنهاء حالة الحرب وفتح صفحة جديدة.

وقد اختلفت المواقف حول تجربة السادات وقراراته، كما اختلفت قراءات المؤرخين والسياسيين لها. وهذا أمر طبيعي عندما يتعلق الأمر بشخصية كان لها تأثير كبير في تاريخ مصر والمنطقة.

لكن قراءة التاريخ لا ينبغي أن تكون من خلال لحظة واحدة فقط، وإنما من خلال تسلسل الأحداث والظروف التي أحاطت بها.

فأكتوبر لم يكن نهاية القصة، والسلام لم يكن منفصلًا عن الحرب؛ بل كان الاثنان جزءًا من مسار تاريخي واحد، بدأ باستعادة الثقة والقدرة، ثم انتقل إلى البحث عن تسوية سياسية.

وهنا ربما تكمن إحدى أهم رسائل تجربة السادات: أن الدولة تحتاج إلى القوة عندما تُفرض عليها المواجهة، وتحتاج إلى الحكمة عندما يحين وقت التفاوض.

الجندي الذي عبر قناة السويس، والسياسي الذي جلس إلى طاولة المفاوضات، كان كل منهما يؤدي دورًا مختلفًا في خدمة الدولة، وإن اختلفت الأدوات والوسائل.

ولهذا يبقى السادات حاضرًا في الذاكرة المصرية، ليس فقط باعتباره رئيسًا سابقًا، وإنما باعتباره شخصية صنعت تحولًا كبيرًا في تاريخ مصر الحديث.

رحل السادات، لكن تجربته بقيت مفتوحة على الأسئلة والنقاش. وبقي أكتوبر حاضرًا في وجدان المصريين باعتباره لحظة استعادة للثقة والكرامة والإرادة.

وفي كل عام، عندما تأتي ذكرى أكتوبر، نتذكر رجال القوات المسلحة الذين صنعوا العبور، ونتذكر الرجل الذي حمل مسؤولية القرار السياسي في تلك المرحلة.

السادات.. رجل الحرب الذي اختار السلام، ورجل السلام الذي خرج من رحم أكتوبر.

ويبقى التاريخ شاهدًا على أن بعض الرجال لا تنتهي قصتهم برحيلهم، لأن قراراتهم تظل حاضرة في ذاكرة الأوطان.

 

زر الذهاب إلى الأعلى