«السعادة ليست أن يمنحك الله كل ما تتمنى،
بل أن يمنحك قلبا راضيا، وروحا مطمئنة، وأملا لا ينقطع في رحمته.»
قراءة نفسية وإنسانية في فلسفة السعادة والامتنان
بقلم د. ندا محمود حماد
توقفت أمام صورة لسيدة مسنة، حفرت السنوات تجاعيدها على وجهها، لكنها لم تستطع أن تنتزع منه ابتسامة هادئة، وكأن ملامحها تقول لنا إن الحياة لا تقاس بعدد السنوات التي عشناها، بل بما تعلمناه خلالها.
واستوقفتني معها مقولة فلسفية متداولة تختصر بعض مقومات السعادة في ثلاثة أشياء: «شيء نفعله، وشخص نحبه، وشيء نأمل فيه».
وجدت في هذه الكلمات مدخلا يستحق التأمل من منظور الصحة النفسية.
فهل يمكن حقا أن تختصر السعادة في ثلاثة أشياء؟ وهل السعادة شعور نبحث عنه، أم أسلوب حياة نتعلم كيف نبنيه؟
أولا: شيء نفعله… لأن الفراغ ليس دائما راحة
من الأخطاء الشائعة أن نربط السعادة بالراحة المطلقة، وكأن الإنسان لن يسعد إلا عندما يتوقف عن العمل والمسؤوليات.
لكن الحقيقة النفسية أكثر عمقا.
فالإنسان يحتاج إلى الشعور بالجدوى، وأن يكون لوجوده أثر، حتى وإن كان بسيطا.
ليس ضروريا أن يكون هذا الأثر منصبا مرموقا، أو نجاحا ماديا، أو إنجازا يصفق له الآخرون.
قد يكون في تربية طفل، أو رعاية أسرة، أو تعلم مهارة، أو مساعدة إنسان، أو حتى في ممارسة هواية تمنح صاحبها الإحساس بالحياة.
فالإنسان لا يتعب فقط من كثرة ما يفعل، بل قد يتعب أيضا حين يشعر أن ما يفعله بلا معنى.
وهنا علينا أن نفرق بين الانشغال الذي يستنزفنا، والنشاط الذي يمنحنا الإحساس بالقيمة.
ثانيا: شخص نحبه… لأن العلاقات الإنسانية ليست رفاهية نفسية
من أهم احتياجات الإنسان النفسية أن يشعر بالانتماء والقبول والأمان العاطفي.
لكن الحب الذي يدعم صحتنا النفسية ليس مجرد وجود شخص في حياتنا، وإنما وجود علاقة نستطيع أن نكون فيها أنفسنا دون خوف دائم من الرفض أو الإهانة.
والحب هنا لا يقتصر على العلاقة الزوجية.
فقد نجده في أم، أو أب، أو ابن، أو أخ، أو أخت، أو صداقة، أو علاقة إنسانية صادقة.
لكن هناك نقطة أراها شديدة الأهمية:
ليس كل حب مصدرا للسعادة، فبعض العلاقات التي نسميها حبا قد تكون مصدرا للاستنزاف النفسي.
ولهذا لا يكفي أن نسأل: هل يوجد من نحبه؟
بل علينا أن نسأل أيضا: هل تمنحنا هذه العلاقة الأمان والاحترام؟ وهل نحتفظ داخلها بكرامتنا وحدودنا النفسية؟
فالحب الصحي لا يطلب من الإنسان أن يفقد نفسه حتى يحتفظ بالآخر.
ثالثا: شيء نأمل فيه… لأن الإنسان يحتاج إلى غد ينتظره
الأمل ليس إنكارا للواقع، ولا وعدا بأن الحياة ستمنحنا كل ما نريد.
الأمل قدرة نفسية تساعد الإنسان على رؤية احتمالات للمستقبل، حتى عندما يكون حاضره صعبا.
قد يكون الأمل في الشفاء، أو النجاح، أو لقاء عزيز، أو بداية جديدة، أو مجرد صباح أكثر هدوءا.
ومن منظور نفسي، يرتبط الأمل بقدرتنا على تحديد أهداف والسعي نحوها والبحث عن طرق بديلة عندما تواجهنا العقبات.
فالفرق كبير بين إنسان ينتظر أن تتغير حياته، وإنسان يؤمن بإمكانية التغيير ويحاول أن يصنع له طريقا.
ومع ذلك، علينا ألا نحول الأمل إلى واجب ثقيل نلوم به من يعاني؛ فبعض الناس يحتاجون أولا إلى الدعم والعلاج والأمان، حتى يستعيدوا قدرتهم على التطلع إلى الغد.
رابعا: وماذا عن الامتنان؟ هل الابتسامة دليل على السعادة؟
نعود إلى وجه تلك السيدة المسنة.
تجاعيد كثيرة، وابتسامة بسيطة، وملامح تحمل آثار سنوات لا نعرف تفاصيلها.
قد نتخيل أنها عاشت حياة سعيدة، لكننا لا نستطيع أن نحكم على حياة إنسان كاملة من ابتسامة واحدة.
وهنا تكمن نقطة نفسية مهمة:
الامتنان لا يعني أن الحياة كانت عادلة معنا، بل أن نستطيع رؤية ما يستحق التقدير فيها، دون إنكار ما سببته لنا من ألم.
فالإنسان الممتن ليس بالضرورة إنسانا لم يتألم.
وليس مطلوبا ممن تعرض للأذى أن يشكر الألم، أو أن يتظاهر بالسعادة، أو أن يسامح من ظلمه حتى يثبت نضجه النفسي.
الامتنان الصحي هو أن نعترف بالخسائر، ونحترم مشاعر الحزن، ونسمح لأنفسنا في الوقت نفسه برؤية ما بقي من خير.
فقد نحزن على ما فقدناه، ونمتن لما لا يزال بين أيدينا.
ولا يوجد تناقض بين الشعورين.
خامسا: هل السعادة غياب الحزن؟
من أكثر المفاهيم التي أرى ضرورة تصحيحها أن الإنسان السعيد هو الذي لا يحزن.
وهذا تصور غير واقعي.
فالصحة النفسية لا تعني استمرار المشاعر الإيجابية، وإنما القدرة على التعامل مع المشاعر المختلفة بمرونة واتزان.
قد تكون سعيدا بحياتك في مجملها، ومع ذلك تمر بيوم حزين.
وقد تكون ممتنا لأسرتك، لكنك تشعر بالإرهاق.
وقد تحب عملك، وتحتاج إلى الراحة منه.
فالنضج النفسي ليس أن نبتسم طوال الوقت، بل أن نتوقف عن اعتبار كل لحظة حزن دليلا على فشل حياتنا.
وأخيرا… قراءتي الخاصة
أرى أن السعادة لا تسكن في ثلاثة أشياء منفصلة، بل في التوازن بينها.
أن يكون لدينا ما يمنح أيامنا معنى، وعلاقات تمنح قلوبنا الأمان، وأمل يجعل المستقبل جديرا بالمحاولة.
لكنني أضيف إليها عنصرا رابعا لا يقل أهمية:
أن تكون علاقتنا بأنفسنا علاقة رحيمة وعادلة.
فما قيمة أن ننجز الكثير ونحن نحتقر أنفسنا؟
وما قيمة أن يحبنا الجميع بينما نعجز عن احترام ذواتنا؟
وما قيمة أن نطارد المستقبل إذا كنا نعاقب أنفسنا باستمرار على الماضي؟
إن السعادة ليست جائزة يحصل عليها من عاش حياة بلا أخطاء، وليست ابتسامة نضعها على وجوهنا لإقناع الآخرين بأننا بخير.
السعادة قد تكون ببساطة أن نعيش حياة لها معنى، وأن نمنح أنفسنا الحق في التعب والراحة، والحب والرفض، والحزن والفرح، دون أن نفقد احترامنا لذواتنا.
وربما أجمل ما يمكن أن نصل إليه مع تقدم العمر ليس أن نقول: لقد حصلت على كل ما تمنيت، بل أن نقول: لم أحصل على كل شيء، لكنني تعلمت كيف أرى قيمة ما لدي، وكيف أواصل الحياة دون أن أفقد نفسي.
وهنا أتوقف أمام سؤال أتركه لكم:
هل السعادة أن نحصل على ما نريد، أم أن نتعلم كيف نعيش بسلام مع ما لدينا، دون أن نتوقف عن السعي لما نستحق؟
شاركوني آراءكم، فربما تفتح إجابة أحدكم بابا جديدا للوعي لدى إنسان آخر.
بقلم د. ندا محمود حماد
استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري والزواجي
لايف كوتش معتمد – كاتبة
مؤسسة فريق شيفرة شفاء DNAH TEAM
صاحبة ومؤسسة مبادرة «نرى»
حين نرى ما لا يُرى… تتغير النهاية.








